تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
إليها ، لأنهم محجوبون بنفوسهم عن لطائف الحق برؤيتهم أعمالهم . وقد أمر اللّه أن يخاطب الناس على قدر عقولهم ، وقال :
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً
[ النساء : 63 ] . وأما جوابه عن الإحسان فإنه قيّد بمشاهدة اللّه عز وجل فقط فإما أن يشاهد العبد بقلبه ربّه جلا جلاله ، وإما أن يشاهد بقلبه أنه يراه جل جلاله ، وفي هذا الخبر فوائد كثيرة دون ما عقلته العامة ، إلّا أن هذا ليس موضع بيانها . فبيّن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن مقامات المؤمنين على قدر مراتبهم إذ قيد الإحسان بالرؤية . ومعدن الرؤية هو الفؤاد ، قال اللّه عز وجل :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( 11 ) [ النجم : 11 ] والفؤاد مشتقّ من الفائدة لأنه يرى من اللّه عز وجل فوائد حبه ، فيستفيد الفؤاد بالرؤية وتلذذ القلب بالعلم ، وإنه ما لم ير الفؤاد لم ينتفع القلب بالعلم . ألا ترى أن الأعمى لا ينفعه علمه شيئا في وقت الشهادة إذا احتاج إلى أدائها لأنه محجوب عن الرؤية ، فعلمه في الحقيقة علم لكنه لم يتأكد سلطانه يخرج القاضي شهادته بالعمى وإن كان عدلا . وفيه إشارة لمن فقهه اللّه في الدين ، قال اللّه تعالى :
وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ الحج : 78 ] ، فكيف يشهد من علم شيئا ولم يره . وقد ذكر اللّه في قصة يوسف وإخوته عليهم السلام أنهم قالوا :
وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ
( 81 ) [ الحج : 81 ] ولم يكونوا رأوا الصّواع « 1 » في رحل أخيهم ، وأنه من وضع صاحب يوسف بأمره ولم يكن سرقة . وإن اللّه جل وعلا أكرمنا بالقرآن وهو بحره الأعظم ، ملأه من جوهر اللطائف ، وجعله من خزائن الظرائف ، فطوبى لمن أكرمه اللّه ببعض ما فيه من الحكمة والبيان في السر والإعلان . وقال بعض العارفين : إنما سمّي الفؤاد فؤادا لأن فيه ألف واد . فإذا كان فؤاد العارف فأوديته جارية من الأنوار من إحسان اللّه تعالى وبره ولطفه . واسم الفؤاد أدقّ معنى من اسم القلب ، ومعناهما قريب كقرب معنى الاسمين الرحمن الرحيم . فحافظ القلب هو الرحمن لأن القلب معدن الإيمان ، والمؤمن توكل بصحة إيمانه على الرحمن ، قال اللّه تعالى :
قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا
هامش
( 1 ) الصّواع والصّواع والصّوع والصّوع : كله إناء يشرب فيه ، مذكر ، وفي التنزيل :قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ[ يوسف : 72 ] . هو الإناء الذي كان الملك يشرب منه .
كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 43 | الحكيم الترمذي / عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى