فحظر على المؤمن على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قراءة القرآن في حال الجنابة والحيض فيما روي ، وأبيح له هذه الكلمات على كل حال لحاجته إليهن في كل وقت ، وشرحه مذكور في كتاب « عرس العارفين » .
وأمّا قوله : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ؛ فإن اللّه - تبارك وتعالى - سلم على عباده من اسمه السلام ؛ لينيلهم دار السلام .
فإذا قلت : سلام عليكم بالألف واللام ؛ فهذه علامة المعرفة فهي نكرة فإذا ألحقت علم المعرفة ؛ فإنما تريد بذلك السلام الذي سلم رب العالمين .
وتقول بعد ذلك : السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته .
ألا ترى إلى ما قال عزّ وجل في تنزيله حين ذكر يحيي عليه السّلام فأثنى عليه ، ثم سلم عليه فقال :
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
( 15 ) [ مريم : 15 ] .
فهذا سلام رب العالمين ، ثم ذكر عيسى عليه السّلام يحكي قوله في المهد صبيّا :
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً
[ مريم : 30 ، 31 ] .
ثم قال سبحانه وتعالى :
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
( 33 ) [ مريم : 33 ] .
فكان هذا السلام من عيسى - صلوات اللّه وسلامه عليه - على نفسه فأخرجه بالألف ، وكأنه يشير إلى سلام متقدم ، أي : ذلك السلام عليّ هو سلام رب العالمين .
ولذلك قال عيسى - صلوات اللّه وسلامه عليه - فيما روي ليحيى : أنت خير مني سلم اللّه عليك ، وسلمت على نفسي .
ولذلك كره من كره هذه اللفظة ؛ قوله لأخيه : سلام اللّه عليك ؛ لأن كل أحد لا يستحق هذه المنزلة ، وفي هذا كلام كثير قد شرحناه في كتاب « علم الأولياء » .
فإن قال قائل : فإن كان رب العالمين قد سلم فما حاجاتنا إلى السلام ؟
قيل له : حتى تبلغ مبلغا تعقل فيه السلام ، فهناك فسل عن هذا ، أليس قد أخبرك في تنزيله فقال :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
( 56 ) [ الأحزاب : 56 ] . أليس قد ندبنا إلى الصلاة عليه