فأول ما يتعين علينا أن نبينه : معرفة المواطن كم هي ، وما يقتضي ما أريد منها .
والمواطن : عبارة عن محل أوقات الموارد التي تكون فيه . وينبغي لك أن تعرف ما يريد الحق منك في تلك المواطن ، فتبادر إليه من غير تثبط ولا كلفة .
والمواطن وإن كثرت فإنها ترجع إلى ستة :
الأول : موطن :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ] وقد فصلنا عنه .
والثاني : موطن الدنيا الدني التي نحن الآن فيها .
والثالث : موطن البرزخ ، الذي نصير إليه ، بعد الموت الأصغر والأكبر .
والرابع : موطن الحشر ، بأرض الساهرة ، والرد في الحافرة .
والخامس : موطن الجنة والنار .
والسادس : موطن الكشف خارج الجنة .
وفي كل موطن من هذه المواطن مواضع ، هي مواطن ، ليس في القوة البشرية الوفاء بها لكثرتها ، ولسنا نحتاج من هذه المواطن إلا إلى الموطن الدني العمري ، فهو محل التكليف ، والابتلاء ، والأعمال .
واعلم : أن الناس منذ خلقهم اللّه مكلّفون ، ومنذ أخرجهم من العدم إلى الوجود ، لم يزالوا مسافرين ، وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار .
وكل جنة أو نار بحسب أهلها . فالواجب على كل عاقل ، أن يعلم أن السفر مبني على المشقة ، وشظف العيش والمحن والبلايا ، وركوب الأخطار ، والأهوال العظام .
فمن المحال أن يتم فيه نعيم ، أو أمان ، أو لذة ، فإن المياه مختلفة الطعم ، والأهوية مختلفة التصريف ، وأهل كل منهلة مخالفون طبع أهل المنهلة الأخرى .
فيحتاج المسافر لما يصلح ، بتلقي كل عالم ومنزلة ، فإنه عندهم صاحب ليلة أو ساعة وينصرف ، فأنّى تعقل الراحة ، فيمن هذه حاله ؟
وما أردنا بهذا ، ردا على أهل النعيم في الدنيا ، العاملين لها ، والمكبين على جمع حطامها ، فإن أهل هذا الفعل عندنا أقل وأحقر من أن يشتغل بهم ، أو يلتفت إليهم .
وإنما أردنا تنبيها لمن استعجل لذة المشاهدة في غير موطنها الثابت ، وحالة الهنا في غير منزلها ، والاستهلاك بالحق ، بطريق الحق عن العاملين . فإن السادات منا أنفوا من ذلك ؛ لما فيه من تضييع الوقت ، ونقص الرتبة ، ومعاملة الوطن بما لا يليق .
فإن الدنيا وتعلق الهمة بها ، والركون إليها ، واستحلاء ذلك سوء أدنى في حقه