هذا المطلع العجيب ، إلا من خصه اللّه بصفوته ، واصطفاه لنفسه ، وجعل هذا العلم هديته .
قال : فشغل المؤمن في دنياه بدنياه وهو ملك من ملكه ، قال الزاهد : شغلني ملك الآخرة عن ملك الدنيا كما شغلك أيها الراغب ملك الدنيا عن ملك الآخرة .
وقال الصّديق : شغلني ملكه عن هذين كما شغلكما عن ملكه .
قال العارف : شغلني مالك الملك عن ملكه ، كما شغلك أيها الصديق ملكه عن هذين ، فالأول الراغب مشغول بدنياه ، والزاهد مشغول بآخرته والصديق مشغول بملكه ، والعارف مشغول بربه فردا فهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : سبق المفردون ؟ قالوا يا رسول اللّه : من المفردون ؟ .
قال : الذين اهتذوا في ذكر اللّه . « 1 » الحديث
قال أبو عبد اللّه : والمهتذ في « 2 » لغة العرب الذي قد اهتذ عقله فهو في هيئة الحرف « 3 » حتى يخيل إليك أنه يتكلم إليك بالمهاتر من الكلام كأنه لا يعقل ، فالذين اهتذوا في ذكره قد خمدت عقولهم عن استعمالهم بما يستعملهم إليهم في
هامش
( 1 ) ورد الحديث الشريف بصيغة أخرى في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى اللّه عنه . قال صلى اللّه عليه وسلم ( سبق المفرّدون ) قالوا : وما المفردون يا رسول اللّه ؟ قال : الذاكرون اللّه تعالى كثيرا والذكرات " .
( 2 ) أصل الكلمة هذى هذيا ، وهذيانا أي تلك بغير معقول .
( 3 ) الحرف من كل شئ : طرفه وجانبه يقال فلان على حرف من أمره : ناحية منه إذا رأى شيئا لا يعجبه عدل عنه .