على جهته ، وإذا لم يستعمله على جهته فهو في كنه كالمسجون .
فإذا كان هو في كنه مسجونا مقيدا وهو حياتي ، كنت كأني المسجون المقيد ، وصرت حزينا لأنه أبدلنى بمكان حياتي الموت فلابد أن احتال بكل حيلة وآته بكل خدعة ، وأحي الآلة والأدوات وأخرج الملاهي وأدواته وأضربها وأحركها وألوحها لعله يرى ذلك ، فيطرب ويذكر وينشط ويقر ويهيج ، فيستعمل الهوا الذي فيه وهي حياتي وشهوتي .
فأحيا وأبهج حتى يجد هو السبيل إلى التحرك والخلاص من الشجرة ، وهذا ما لم أذكره لأحد قط منذ خلقت ، ولولا ما أرى لك من الفضل والكرامة ما أخبرتك بهذا كله .
( قال رحمه اللّه : هذا الذي وصف إبليس هنا بصدق جميع ما قلنا من شأن الهوى في النفس ) .
قال يحيى عليه السلام : فالمسألة الخاصة التي سألتك ، قال : نعم ، سل ، قال :
هل أصبت منى فرصتك قط في لحظة من بصر أو لفظة من لسان أو هم بقلب ؟ ، قال : اللهم لا إلا أنه كان يعجبني منك خصلة فكثر ذلك عندي ، ووقع عندي موقعا شريفا ، فتمعر « 1 » لون يحيى من قوله وتبلد وتقاصرت إليه نفسه ، وارتعدت فرائصه ، وغشى عليه .
قال : وما ذلك يا أبا مرة ، ، قال : أنت رجل أكول ، وكنت أحيانا تكثر الطعام فتبشم « 2 » منه ويعتريك الوهن ، والنوم ، والنقل ، والكسل ، والنعاس ، فكنت
هامش
( 1 ) تمعر وجهه : تغير ، وأصله قلة النضارة وعدم إشراق اللون .
( 2 ) البشم : قال ابن سيدة : هو التخمه وقيل هو أن يكثر من الطعام حتى يكربه .