تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الجنيد سيد الطائفتين — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
ولا يريدون عليه أجرا ولأن حق العلم وحق تأديته إلى الخلق ، ألا يكون لشيء منه جزاء إلا ثواب اللّه عز وجل عليه ، والجنة التي جعلها دار من اتقاه وأطاعه ، وقال اللّه تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه وسلّم :
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
[ ص : 86 ] ، وقال تعالى :
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
[ الشورى : 23 ] . وكذلك قصّ علينا في قصص الأنبياء عليهم السلام ، قول نوح :
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
[ الشورى : 86 ] ،
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
[ هود : 88 ] ، وقال
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي
[ هود : 51 ] ، ومثل هذا كثير في كتاب اللّه تعالى . وهذه سيرة الأنبياء عليهم السلام في الأمم ، وسيرة العلماء في الناس ، ألا يأخذوا على شيء من العلم ثمنا ، ولا يطلبوا على شيء مما يعلمون أجرا ، وسيما ما أخذه العلماء على العلم سحتا ، وسيما ما أخذه الربانيون والأحبار مع نهيهم عن ذلك ، فقال تعالى :
لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ
[ المائدة : 63 ] ، والأخبار في النهي عن ذلك كثيرة ، والاستقصاء في ذلك من الحجة يطول وصفه ، وقد تبين لك بعض ما فيه كفاية وبلاغ ، واللّه الموفق . وأما الطوائف التي تأولت ، ورأت أن الذي تأولته هو الحق ، فإنهم قوم لحقهم الزلل من حيث غاب عنهم علم الحقيقة ، ونالهم من المشكلات التي لا تبين لأهلها إلا بعد التورط فيها والانغماس في مكروهها . جعل القوم أئمتهم فيما تأولوه رجالا قلّت مناصحتهم لأنفسهم ، ولم يصادفوا صواب الحقيقة فيما عمدوه . قالوا : للخلق إلينا فيما علمناه أشد الحاجة ، وعلمنا إقامة الحق في سائر الخلق . فمن ذلك تقديم الأئمة ، والمشورة عنهم ، والتقوي بهم ، وكذلك الأمراء والروؤساء وعظماء أبناء الدنيا . فجعلوا السعي إلى الخلفاء والأمراء والحكماء وعظماء أبناء الدنيا عملا لهم يحتسبون به ، ويؤملون ثوابه وجعلوه من أجلّ الأعمال ، وأعظمها قدرا ، وأوفرها عندهم ثوابا . فحملوا العلم إلى الخلفاء والأمراء وعظماء أبناء الدنيا . وطرقوا به أبوابهم ، وسعوا بما حملوه منه إلى من لم يطلبهم له ، ولم يدعهم إليه ، ولم يعرفهم به . فلحقهم في أول الأمر ذل السعاية ، والتوسل إلى الحجاب ، ومهانة الوقوف على أبوابهم . فمن بين مأذون له ومن بين مردود ، قد لحقتهم المذلة ، وعلتهم العقوبة ، ولبستهم الذلة ورجعوا بخضوع المذلة . فلم يزالوا كذلك في نصب الغدو والرواح ، وذلك سبب الهلكة والاجتياح ، حتى وصلوا إلى الذي قصدوا ، ونسوا الإله الذي عبدوا . وأوردتهم الغفلة