كتاب دواء التفريط
قال الشيخ أبو القاسم الجنيد بن محمد رحمه اللّه :
خصّك اللّه لطاعته ، وهيّأك لموافقته ، وجعلك من أهل ولايته ، وانتخبك لمحبته ، وأسرع بك إليه ، وأوقفك على علم مراده ، واستعملك بعلم ما أرادك له ، وعوّدك الإصغاء إلى استنباط الفهم عنه ، وحال بينك وبين العوارض القاطعة والعلائق المانعة ، وجعل أقوالك لديه موضيّة وعنده زاكية ، وكفاك مؤونة كل شاغل عنه ، وهيّأك لخدمته ، وروّحك بتفويض الأمر إليه ، وحال بينك وبين كل ممتنع عليك في الطريق المسلوك إليه ، وجعل لك على كل همّ لا يسعدك في طلب ما يرضيه من لدنه سلطانا نصيرا ، وإنه ولي الإنعام وكافي المهمات .
وينبغي للعاقل ألا ينفقد من إحدى ثلاثة مواطن : موطن يعرف فيه حاله أمتزايد أم منتقص ، وموطن يخلو فيه بتأديب نفسه من إلزامها ما يلزمها ، ويتقصّى فيه على معرفتها ، وموطن يستحضر عقله برؤيته التّدبير ، وكيف تختلف به الأحكام ، في آناء الليل وأطراف النهار . ولن يصفو عقل لا يصدر إلى فهم هذا الحال الآخر إلا بإحكام ما يجب عليه من إصلاح الحالين الأوّلين .
فأما الموطن الّذي ينبغي له أن يعرف فيه حاله أمتزايد هو أم منتقص ، فعليه أن يطلب مواضع الخلوة لكي لا يعارضه شاغل ، فيفسد عليه ما يريد إصلاحه ، ثم يتوجه إلى موافقة ما ألزم من تأدية الفرض ، الذي لا يزكو حال قربه إلا بإتمام الواجب من الفرائض . ثم ينتصب انتصاب عبد بين يدي ربه ، يريد أن يؤدّي إليه ما أمر بتأديته ، فحينئذ ينكشف له من خفايا النفوس الموارية ، فيعلم أهو ممن أدّى ما وجب عليه أم لم يؤدّ . ثم لا يبرح من مقامه ذلك حتى يوقع له العلم برهان ما استكشفه بالعلم ، فإن رأى خللا أقام على إصلاحه ولم يجاوزه إلى عمل سواه . وهذه أحوال أهل الصدق في هذا المحل ،
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ
[ آل عمران : 13 ] ، وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
[ الحج :
74 ] .
وأما الموطن الذي يخلو فيه بتأديب نفسه ويتقصّى فيه حال معرفتها ، فإنه ينبغي لمن عزم على ذلك وأراد المناصحة في المعاملة ، فإن النفوس ربما خبت فيها منها أشياء ، لا يقف على حد ذلك إلا من بصر ما هنالك ، في حين حركة الهوى في محبّة فعل الخير