فدخلت خلفهم ، فكان منهم مثل ما رأيت ثم خرجوا من المسجد ، واتبعتهم ، حتى جاءوا إلى دكان بقال ، وكان مثل ما رأيت أيضا ، فلما أرادوا أن يفارقوني قلت لهم : من ببغداد من الأبدال ؟ قالوا : فلان وفلان لقوم أعرفهم . قال الجنيد : فكأني رأيت أزريت على واحد منهم بقلبي . فقلت لهم : وفلان من الأبدال ! قالوا : نعم ، هو من أهل الأنس باللّه ، فما زال الجنيد يقول : هم ثلاثة ، فيسأل عنهم فلا يخبر ولكن يقول : قد مات منهم وبقي منهم ، وما زال يقول : بقي واحد إلى أن مات ، فكنا نرى أن الذي أخبر أنه من أهل الأنس باللّه أحمد بن مسروق والذي أزرى به عنا به نفسه « 1 » .
باب رؤيا القوم
قال الجنيد : رأيت في المنام كأنّي واقف بين يدي اللّه تعالى ، فقال لي : يا أبا القاسم :
من أين لك هذا الكلام الذي تقول ؟ فقلت : لا أقول إلا حقّا . فقال : صدقت « 2 » .
قال الجنيد : رأيت في المنام كأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أخذ بعضدي من خلفي ، فما زال يدفعني حتى أوقفني بين يدي اللّه تعالى ، فسألت جماعة من أهل العلم ، فقالوا : إنك رجل تقول العلم إلى أن تلقى اللّه تعالى « 3 » .
حكي عن الجنيد أنه قال : رأيت في المنام كأني أتكلم على الناس فوقف عليّ ملك ، فقال : أقرب ما تقرب به المتقربون إلى اللّه ماذا ؟ فقلت : عمل خفيّ وميزان وفيّ . قال :
فولى الملك عنى وهو يقول : كلام موفق واللّه « 4 » .
حكي عن الجنيد رضي اللّه عنه أنه قال : خرجت يوما في بعض الغزوات ، وكان قد أرسل إليّ أمير الجيش شيئا من النفقة ، فكرهت ذلك ، ففرقته على محاويج الغزاة ، فلما كان في بعض الأيام صليت الظهر ، وجلست متفكرا في ذلك ، نادما على قبوله وتفريقي إياه ، فغلبني النعاس ، فرأيت قصورا تبنى مزخرفة ، ونعما طائلة فسألت عنها ، فقيل لي : هذه لأصحاب المال الذي فرقته في الغزاة . فقلت : فما لي معهم شيء ؟ فقيل : ذلك القصر . وأشاروا إلى قصر عظيم من أحسن القصور وأعظمها ، فقلت : فكيف فضّلت عنهم ؟ فقيل : أولئك
هامش
( 1 ) انظر : روضة الحبور ( ص 116 ) بتحقيقنا .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 2 / 728 ) .
( 3 ) انظر : تاريخ بغداد للخطيب ( 7 / 244 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 726 ) ، والإحياء للغزالي ( 4 / 508 ) ، والحبور ( ص 113 ) .