اللّه : ليس يمكنني حفظ ما تقول ، أمله عليّ . فقال : إن كنت أجريه فأنا أمليه ، فقام عبد اللّه مقرّا بفضله ، واعترف بعلوّ شأنه « 1 » .
قال الجنيد : التوحيد علمك وإقرارك بأن اللّه فرد في أزليته ، لا ثاني معه ، ولا شيء يفعل فعله « 2 » .
قال الجنيد : أما قوله : ( أول ما صرت إلى وحدانيته ) فذاك أول لحظة إلى التوحيد ، فقد وصف ما لاحظ من ذلك ، ووصف النهاية في حال بلوغه ، والمستقر في تناهي رسوخه .
وقال الجنيد : وأما قول أبي يزيد ( ألف ألف مرة ) فلا معنى له ؛ لأن نعته أجلّ وأعظم مما وصفه وقاله ، وإنما نعت من ذلك على حسب ما أمكنه ، ثم وصف ما هناك ، وليس هذا بعد الحقيقة المطلوبة ، ولا الغاية المستوعبة ، وإنما هذا بعض الطريق .
وقال الجنيد : لو أن أبا يزيد قدّس اللّه سرّه علم عظم إشارته خرج من البداية والتوسط ولم أسمع له نطقا يدل على المعنى الذي ينبئ عن الغاية ، وذلك ذكره للجسم ، والجناح ، والهواء ، والميدان « 3 » .
سئل الجنيد عن التوحيد ؟ فأجاب بكلام ، ولم يفهم ، فقيل له : أعد الجواب ؛ فإنا ما فهمنا . فقال جوابا آخر ، فقيل له : هذا أغمض ، فأمله علينا حتى ننظر فيه ونعلمه . فقال :
إن كنت أجريه فأنا أمليه « 4 » .
قال الجنيد : التواضع عند أهل التوحيد تكبر « 5 » .
حكي عن الجنيد قدّس اللّه سرّه أنه قال : لا يبلغ العبد إلى حقيقة المعرفة وصفاء التوحيد حتى يعبر الأحوال والمقامات « 6 » .
قال أبو يزيد البسطامي قدّس سرّه : أشرفت على التوحيد في غيبوبة الخلق عن العارف ، وغيبوبة العارف عن الخلق .
هامش
( 1 ) انظر : روضة الحبور ( ص 114 ) بتحقيقنا .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 31 ) .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 464 ) .
( 4 ) انظر : الكواكب ( 1 / 582 ) .
( 5 ) يعقب الغزالي بقوله : لعل مراده أن المتواضع يثبت نفسه أولا ثم يضعها ، والموحد لا يثبت نفسه ولا يراها شيئا حتى يضعها أو يرفعها . وانظر : الإحياء ( 3 / 343 ) .
( 6 ) انظر : اللمع ( ص 436 ) .