وفي قوله تعالى :
وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ
[ العنكبوت : 29 ] سئل الجنيد قدّس سرّه عن هذه الآية ؟ فقال : كل شيء يجتمع الناس عليه إلا الذكر فهو منكر « 1 » .
الورد : عندما شاخ الجنيد رضي اللّه عنه لم يضيّع أي ورد من أوراد الشباب ، فقيل له : أيها الشيخ ، لقد صرت ضعيفا ، فكفّ عن بعض النوافل . قال : هذه أشياء أدركت بها في البداية ما أدركته ، فمحال أن أكفّ عنها في النهاية بعد قضاء اللّه « 2 » .
دخل ابن عطاء على الجنيد وهو في مرض الموت يجود بنفسه ، فسلّم ، فلم يرد عليه ، ثم ردّ عليه بعد ساعة ، وقال : اعذرني ؛ فإني كنت في وردي ، ثم حوّل وجهه إلى القبلة وكبّر ومات « 3 » .
رؤي في يد الجنيد سبحة ، فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة ؟ فقال : طريق وصلت به إلى ربّي لا أفارقه أبدا « 4 » .
وروى الحافظ اليغموري بإسناده إلى أبي الحسن بن المترفّق قال : سمعت عمرو بن علوان وقد رأيت في يده سبحة ، فقلت : يا أستاذ ، أنت مع عظم إشارتك تبني عبادتك وأنت مع السبحة ؟ فقال لي : كذا رأيت الجنيد بن محمد وفي يده سبحة ، فسألته عنها ؟
فقال : كذا رأيت أستاذي الحارث بن أسد المحاسبي وفي يده سبحة ، فسألته عمّا سألتني عنه ؟ فقال : كذا رأيت بشر بن الحارث وفي يديه سبحة ، فسألته عمّا سألتني عنه ؟ فقال :
كذا رأيت أستاذي عامر بن شعيب وفي يديه سبحة ، فسألته عمّا سألتني عنه ؟ فقال : كذا رأيت أستاذي الحسن بن أبي الحسن البصري وفي يده سبحة ، فسألته عن ذلك ؟ فقال : يا بني هذا شيء استعملناه في البدايات ، ما كنا بالذي نتركه في النهايات ، أحب أن أذكر اللّه تعالى بقلبي ويدي ولساني « 5 » .
هامش
- وسمعته مرة أخرى يقول : من خاصية تمكن الذكر من القلب أن يهذب أخلاق صاحبه فمن لم يتهذب فكأنه لم يذكر فهذا مقصود الشارع والأشياخ بأمرهم المريد إكثاره من الذكر ، واللّه أعلم .
( 1 ) انظر : روح المعاني ( 15 / 261 ) .
( 2 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 545 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 598 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 134 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 245 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 108 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 245 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 128 ) .
( 5 ) انظر : روضة الحبور ( ص 119 ) بتحقيقنا .