فكان الصدق في الأول علما للخلق وفضلا بينهم وبين الإخلاص لأن الإخلاص موجود في صفة الخلق عند حالين : حال الاعتقاد والنية ، وحال الفعل والعمل .
فالإخلاص في صفة الصادق موجود في العقد غير منسوب إلى الصدق إلا بوجود ( أوائل الإخلاص في باطنه ) « 1 » ، وباق عليهم علم موارد الأشياء عند ممارسة الفعل بالجوارح عن عوارض أضداد الإخلاص ، والتخلص لفعله « 2 » حتى يسمى « 3 » مخلصا .
فأول الإخلاص أن يفرد اللّه تعالى بالإرادة ، والثاني أن يخلص الفعل من الآفة ، فالصدق الذي هو عند الخلق صدق ، فرق بينه وبين الإخلاص ، والصدق الذي عند اللّه سبحانه وتعالى هو الصدق مع الإخلاص .
وقد يقال فلان صادق لما يرى عليه من صفات العلم وبذل المجهود منه ، ولا يقال فلان صادق لما مخلص لغيبة الخلق عن علم إخلاصه ، فالصدق مشهود في صفة الصادق ، والإخلاص معدوم من مشهده .
فالصادق موصوف بحسن صفات شاهده ، منسوب إلى الصدق بدلائل ظاهره ، مع وجود أوائل الإخلاص في باطنه ، باق عليه علم موارد الأشياء عند وروده ، يقبل « 4 » ما وافق الأول من معنى قصده ، ويرد ما خالف علم ظاهره ، فالإخلاص يعلو « 5 » الصدق لوجود زيادة العلم ، مع وجود قوة الرد لما عارض من وسواس العدو ، لوجود صفاء القلب ، ولا يعلو الإخلاص شيء ، لأنه لا غاية في العبودية من حيث العبد فوق الإخلاص .
ولا يقال إخلاص المخلص لأنه لا غاية بعد الإخلاص ، وقد قال اللّه تعالى :
لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ
[ الأحزاب : 8 ] ولم يقل ليسأل المخلصين عن إخلاصهم ، لأن غايته من الخلق فيما استعبدهم به ، فالإخلاص يعلو الصدق والصدق دونه .
هامش
( 1 ) ما بين القوسين من ط .
( 2 ) وردت الجملة في ط : . والتخلص لفعله عن عوارض أضداد الإخلاص
( 3 ) في ط : سمي
( 4 ) وردت في ( ط ) ، وفي ( خ ) : يقول .
( 5 ) وردت في ( ط ) ، وفي ( خ ) : يعلم .