« لو لم يكن العفو من مراده ، لم يبتل بالذّنب أكرم عباده »
* بداية نتساءل : ماذا يقصد شيخنا بأكرم الخلق إلى اللّه . . هل يقصد بها البشر بني آدم ، فهذا له ، قال تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
[ الإسراء : 70 ] . . أم هل يقصد بها أنبياءه ورسله بدء من نبي اللّه آدم حتى خاتمهم نبينا صلى اللّه عليه وسلم وهو أكرم عباد اللّه على اللّه . . وبخصوص الأنبياء والرسل - في اختصار - أنهم معصومون عن الوقوع في المعصية ؛ لأنهم قدوة لنا وأسوة ، وقد أمرنا باتباعهم ، ولو صدق عليهم الوقوع في المعصية لصدق عليهم تشريع المعاصي ؛ لذلك فهم لا يفعلون الحرام مطلقا ، كما أنهم لا يفعلون المكروه إلا لبيان الجواز . . أما بخصوص ما نسب إليهم من أفعال ، وسمّاها البعض معصية . . فهي ليست كذلك ، بل إنهم فعلوا الصواب - وهذا اجتهادهم - بينما كان هناك الأصوب ، وإنما سميت معصية ؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين .
وبخصوص أكل آدم عليه السلام من الشجرة . . قيل : إنه لم يكن له نية في الأكل ونسي ، والنوايا مدار المؤاخذة ، قال تعالى :
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
[ طه :
115 ] . . وقيل : إنه ظن أن النّهى قاصر على شجرة بعينها ، ولا يشمل النهى تحريم جنسها . . وقيل :
إنه نسي النهى عنها ، أو نسي تهديد إبليس له فصدّق قوله :
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
[ طه : 120 ] ونتيجة ذلك سنّت التوبة لخلق اللّه حتى طلوع الشمس من المغرب في آخر الزمان . . قال تعالى :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
[ البقرة :
137 ] .
* * * 90 - « علامة التائب : إسبال الدّمعة ، وحبّ الخلوة ، ومحاسبة النّفس البعيدة عن الصفوة عند كل همّة . » [ صفة الصفوة : 4 / 91 ] .
* إسبال الدمعة : من علامات الخشية من اللّه وخوف عذابه . روى الشيخان عن أنس رضى اللّه عنه قال : « خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قطّ ، فقال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، فغطّى أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجوههم ولهم خنين » . والخنين : نوع من البكاء دون الانتحاب . وروى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « عينان لا تصيبهما النار : عين بكت من خشية اللّه ، وعين باتت تحرس في سبيل اللّه » [ صحيح الجامع الصغير ] . وقيل : ليس الخائف من يبكى فيمسح عينيه ، ولكن الخائف ما يخاف ما يبعده عن اللّه فيما يتعاطاه ، أو ما يعذّبه اللّه به حين يلقاه .
* حبّ الخلوة من علامات التائب : وذلك لتجنّب المعاصي التي يتعرّض لها الإنسان