ولنا إضافة أيضا بخصوص المتصوّف الجاهل . . وهو أيضا من يتعبّد قبل تعلّمه ما تصحّ به العبادات ، وهذا مرفوض عند المتصوّفه الحقّة ، قال الجنيد : « الطريق إلى اللّه مسدود على خلق اللّه عزّ وجلّ إلا على المقتفين آثار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في شريعته ، واتباع سنّته ، ولزم طريقته ؛ فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه » ، وقال أيضا : « علمنا مضبوط بالكتاب والسّنّة » . وقال نجم الدين كبرى :
« الشريعة كالسّفينة ، والطريقة كالبحر ، والحقيقة كالدّرّ ، ومن أراد الدّرّ ركب السّفينة ثم شرع في البحر ، ثم وصل إلى الدر ، فمن ترك هذا الترتيب لم يصل إلى الدر » . وقيل : المتعبد على غير فقه كحمار الرحّى يدور ولا يبرح مكانه . فالواجب على مريد الوصول اتباع الأصول ، ومعرفة ما تصحّ به العبادات قبل التفكير في الأحوال والمكاشفات .
* * * 255 - « من صحب الأولياء بصدق ألهاه ذلك عن أهله وماله ، وعن جميع الاشتغال ؛ فإذا صحّ له ذلك معهم ترقّى إلى مقام الاشتغال باللّه ، فاشتغل به عمّن سواه ، وإن لم يصح له هذا المقام مع الأولياء ، لا يشم رائحة الاشتغال باللّه أبدا » [ طبقات الشعراني : 1 / 183 ]
* صحبة الولىّ على صدق توصل المصاحب إلى الاشتغال باللّه وترك ما عداه ، ومن الدعاء الجميل : اللهمّ دلّنا على من يدلّنا عليك ، اللهمّ ارزقنا حبّك وحبّ من يحبّك ، وحبّ من يقرّبنا إلى حبّك » .
* * * 256 - « من خالط الناس وأراهم ، ومن داراهم راياهم » [ طبقات المناوي : 1 / 272 ]
* دارى الناس : أي لاطفهم ورفق بهم ، ولا ينهم ، واتّقاهم .
وأرى الناس : أي ستر عنهم ما يراه سرا ، سترا لحاله . وقال ابن شرف القيرواني :
وإن ترمك الغربة في معشر * قد جبل الطّبع على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم * وأرضهم ما دمت في أرضهم
وقال أبو سليمان الخطابي رحمه اللّه :
ما دمت حيّا فدار النّاس كلّهم * فإنّما أنت في دار المداراة
* * *