مقدمة الطبعة الأولى الإمام المحاسبي ومدرسته
نشأته وعصره :
أما العصر الذي عاش فيه المحاسبي فهو إبان الدولة العباسية العربية اسما ، والفارسية أو التركية فعلا ، وأما المكان فهو ما بين البصرة وبغداد ، وأما خليفة المسلمين فكان الأمين ثم المأمون ، ثم المتوكل فالواثق . وأما مولده فكان بالبصرة في النصف الثامن من القرن الأول الهجري .
وكانت البصرة والكوفة - كما هو معلوم - مركزين متنافسين في العلم وشتى مجالات الفكر الأخرى ، ولكل منهما مذهب تدافع عنه ، وتشتهر به ، حتى في مسائل الزهد والورع كما أثبته المحاسبي في كتابه « المكاسب » .
وكانت حضارة الإسلام في خلافة بني العباس قد تطورت إلى « مدنية » تعني بالمظاهر الشكلية للتقدم وأسلوب الحياة المترف ، ويسير فيها الانحلال الأخلاقي جنبا إلى جنب مع النهضة الثقافية ، وحركة الترجمة ، ومدارس العلم ، وجهود المؤلفين الجبارة ، وإن كان الالتزام العملي بالعلم قد أصبح قاصرا على فئة قليلة من العلماء والتلاميذ ، حيث اجترفت المدينة الساحرة جمهور الباقين منهم ، ممن أطلق عليهم المحاسبي اسم « علماء السوء » .
لقد بلغ الانحلال الخلقي ، والاستهانة بالكرامة الإنسانية مداه المتسفل في هذا العصر ، حتى لقد اتخذت أم جعفر البرمكي للأمين بن الرشيد الجواري الحسان ، وألبستهن ملابس الغلمان ، وبعثت بهن إليه ، فأبرزهن للناس من الخاصة والعامة ، وأطلق عليهن اسم « الغلاميات » كما يقول المسعودي في كتابه « مروج الذهب » .
ويقول الشابشتي في كتابه « الديارات » : إن « عريبا » المغنية كانت وصيفة للأمين ، وكانت تلبس ملابس الغلمان ، وتقف على رأسه ، وتسقيه الخمر .
وكان الفسق يتطور تطورا خطيرا حتى انتهى الأمر بالمحتسب في اللاذقية ، وهو والي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن يجمع القحاب والغرباء من الفساق في حلقة كما