وتعلّقوا بقول اللّه تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[ النساء : 56 ] . قالوا : فبيّن أنه يعذّب الجلود المبدّلة التي لم تكن حالة المعصية . والجواب : عن ذلك أنّ الظاهر لا تعلّق لهم به « 1 » لأنه تعالى لم يذكر أنه يعذّب الجلد وهو موضع تعلّق الخصم .
وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنه يعيد جلودهم المعيّنة . ومعنى تجدّدها هو أن يزيل ما فيها من الاحتراق ، ويعيدها إلى ما كانت عليه . وقد يقال لما هذه حاله بأنه غيّر وبأنه بدّل . وقوله تعالى :
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
، أي ليجدوا ألم العذاب . وإنما سمّاه ذوقا ؛ لأن أجسامهم تتجدّد « 2 » في كل وقت كإحساس الذائق في تجديد الوجدان من غير نقصان في الإحساس . وهو المروي عن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السّلام فإنّ في التفسير المضاف إليه أنّ معنى قول تعالى :
بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
. أي رددناها كما كانت أوّلا عند مماتها ودخولها في أجداثها . فكانت من قبل قد تمزقت وبليت وفنيت ، ثمّ ردّت ، على هيئتها وصورتها فأحرقت وعذّبت ثم أعيدت بعينها على هيئتها وصورتها الأولى فعذّبت أيضا ، فهي المعذّبة على الحقيقة ، والمعادة للعذاب على الدوام بعينها لا سواها . ولا يصحّ أن يقال إنّ المعاقب هو جلود غيرها لم تعص اللّه تعالى بذنب ؛ لأنّ اللّه تعالى يقول :
أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
هامش
قال للمنصور الدوانيقي : إنّ الطفل إذا حصل له بعض الإدراك رفع حوائجه إلى أمه ظنّا منه أنها منتهى النفع والضرر ؛ فإذا زاد إدراكه رفعها إلى أبيه ، فإن كبر يسيرا رفعها إلى والي بلده ، ثم إلى إمامه ، ثم إلى اللّه تعالى ، وإني قد رفعت حاجتي إلى والي بلدي فلم يصنع شيئا ، وها أنا قد رفعتها إليك فإن لم تنصفني فإني رافعها إلى المرتبة الثالثة [ بعد والي البلد ] فأشكاه المنصور . والمراد بيان ترقي الإدراك ، واللّه أعلم . تمّت .
( 1 ) في ( ب ) ، ( ج ) : فيه .
( 2 ) في الأصل تعليقة : تجد