برؤية البصر ، فقد كفر باللّه وبآياته ؛ لقول رسول اللّه ( ص ) : « من شبّه اللّه بخلقه فقد كفر » « 1 » . ولقد حدّثني أبى ، عن أبيه ، عن الحسين بن علي ( ع ) ، قال :
سئل أمير المؤمنين ( ع ) فقيل : يا أخا رسول اللّه ! هل رأيت ربّك ؟ فقال ( ع ) :
وكيف اعبد من لم أره ! ؟ لم تره العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الأيمان ؛ فإذا كان المؤمن يرى ربّه بمشاهدة البصر ، فإنّ كلّ من جاز عليه الرؤية ، فهو مخلوق ؛ ولا بدّ للمخلوق من الخالق فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا ، ومن شبّهه بخلقه ، فقد اتّخذ مع اللّه شريكا ؛
ويلهم ! أو لم يسمعوا يقول اللّه :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
؟ « 2 » وقوله :
لَنْ تَرانِي
يا موسى ؟ « 3 » .
ثمّ ذكر قصّة موسى ( ع ) على نحو ما تقدّم ، ثمّ قال ( ع ) :
يا معاوية ! جعلت لك أصلا في هذا ، فاعمل عليه ؛ فلو كنت تموت على ما كنت عليه ، كان حالك أسوأ الأحوال ؛ فلا يغرّنك قول من زعم انّ اللّه تعالى يرى بالبصر . قال ( ع ) : قد قالوا أعجب من ذلك ، ألم ينسبوا آدم ( ع ) إلى المكروه ! ؟ أو لم ينسبوا إبراهيم ( ع ) إلى ما نسبوه ! ؟ أو لم ينسبوا داود ( ع ) إلى ما نسبوه في حديث الطير ! ؟ أو لم ينسبوا يوسف الصديق إلى ما نسبوه من حديث زليخا ! ؟ أو لم ينسبوا موسى ( ع ) إلى ما نسبوه من القتل ! ؟ أو لم ينسبوا رسول اللّه ( ص ) إلى ما نسبوه من حديث زيد ! ؟ أو لم ينسبوا عليّ بن أبي طالب ( ع ) إلى ما نسبوه من حديث القطيفة ! ؟
انّهم ، أرادوا بذلك توبيخ الإسلام ، ليرجعوا على أعقابهم ؛ أعمى اللّه ابصارهم ، كما أعمى قلوبهم ! تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا » « 4 » .
وأقول : هذه الرواية كالأولى ، نافية لرؤية العين ، وتزيد عليها باثبات رؤية القلب ؛ وقد فسّرها بقول أمير المؤمنين ( ع ) : « بحقائق الإيمان . . . »
ونظيرها من دون تفسير ، ما عن الحلبي ، عن الصادق ( ع ) ، قال : رأى رسول اللّه ( ص ) ربّه ؟ قال : « نعم ، رآه بقلبه ، فامّا ربّنا - جلّ جلاله - ، فلا تدركه ابصار حدق الناظرين ، ولا يحيط به اسماع السامعين » « 5 » .
هامش
( 1 ) . البحار 4 : 54 / 34 .
( 2 ) . انعام 6 : 103 .
( 3 ) . أعراف 7 : 143 .
( 4 ) . المصدر 4 : 54 / 34 .
( 5 ) . المصدر 4 : 54 / 32 .