ثم الحدوث بيّن الوجدان * للنّبت والحيوان والانسان
واللّيل والنّهار لم يجتمعا * فلا يكونان قديمين معا
وإذ تعارضا فقد تلازما * حدوث واحد حدوث لهما
[ إثبات الحدوث لجميع أجزاء العالم ]
امّا النبات والحيوان والإنسان فحدوثها مشهود بالعيان ، محسوس بالوجدان ، من غير حاجة إلى بيّنة أو تجشّم برهان ؛ كما قلت : ثمّ الحدوث بيّن الوجدان حسا للنّبت والحيوان والإنسان .
[ الليل والنهار حادثان ]
وامّا غيرها ، فحدوثها ثابت بالإمعان ؛ كما قلت : واللّيل والنّهار لن تجتمعا ابدا في زمان واحد ، لأنّهما ضدّان ، فلا يكونان قديمين معا ؛ إذ لا بدّ أن يفرض أحدهما سابقا على الآخر ، لعدم امكان اجتماعهما ، فيلزم حدوث اللاحق منهما قطعا . وفي هذا أيضا نقض لقولهم : بأنّا لم نشهد الحدوث ، فنحكم بالقدم ، فإنّهم لم يشهدوا حدوث أحدهما مع لزوم حكمهم به ، وإذ تعارضا ؛ اي يعرض أحدهما على الآخر فيجيء ويذهب ، فقد تلازما في الحدوث وحينئذ حدوث واحد منهما ، حدوث لهما بالملازمة ؛ لأنّ القديم لا يعرض الحادث ولا يتغيّر به ، والحادث لا يعرض القديم ولا يغيّره .
[ محاجة النبيّ ( ص ) مع القائلين بأزلية الأشياء ]
في الإحتجاج : اجتمع أهل خمسة أديان : « اليهود » و « النصارى » و « الدهريّة » و « الثنويّة » و « مشركوا العرب » لمناظرة النبيّ ( ص ) ؛ وكان من مناظرته مع الدهريّة ، أنّه قال ( ص ) لهم :
« وأنتم ما الّذي دعاكم إلى القول بأنّ الأشياء لا بدء لها وهي دائمة لم تزل ولا تزال ؟
فقالوا : لأنا لا نحكم إلّا بما نشاهد ، ولم نجد للأشياء محدثا ، فحكمنا بأنّها لم تزل ولم نجد لها انقضاء وفناء فحكمنا بأنّها لا تزال .
فقال رسول اللّه ( ص ) : أفوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاء ابد الأبد ؟ فان قلتم : إنّكم وجدتم ذلك انهضتم [ اثبتّم ] لأنفسكم إنّكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ، ولا تزالون كذلك ؛ ولئن قلتم : هذا دفعتم العيان وكذّبكم العالمون الّذين