الفاعل غنيّا عن الآلات كان نفس إدراكه سببا لحصول المدرك في الخارج « 1 » ، فهذا هو العلم الفعلي .
وأمّا العلم الانفعالي فهو الذي يكون وجود المعلوم متقدما على العلم ويكون العلم تابعا له وحكاية عنه ، كمن نظر إلى صورة السماء والأرض وغيرهما من الموجودات ، فتصور منها في ذهنه صورا وارتسم منها في خياله هيئة مستفادة من الأمور الخارجية ، فإنّ هذه الصور الذهنية معلولة للصورة الخارجية وحاصلة منها . وقد كانت الصورة الأولى في العلم الفعلي علّة محصّلة لما في الخارج . والعلم الفعلي أشرف وأفضل من الانفعالي ؛ فانّ الضرورة قاضية بأنّ المنشئ لمسألة والمخترع لها ، أو للقصيدة التي لم يسبقه إليها غيره أشرف وأكمل من علم من تعلّمها منه .
وقد سألت شيخنا أفضل المحققين عن علّة الحصر ، فمنع منه « 2 » وأبدأ قسما ثالثا لا فعليا ولا انفعاليا ، وهو علم واجب الوجود تعالى بذاته فانّه خارج عن القسمين .
وفيه نظر ، فانّ علم واجب الوجود بذاته نفس ذاته بالذات ومغاير له بالاعتبار ، ومن حيث المغايرة يكون صادرا عنه ومتأخرا بالذات وكأنّه حكاية عنه ومثال له ومستفاد منه ، فانّ الذات الحقيقية هي الأصل وهذا العلم تابع ، فكان انفعاليا بهذا الاعتبار عن ذاته لا عن غيره .
هامش
( 1 ) - هذا القسم الأخير ( ما لا يحتاج إلى الآلات ) وحده هو العلم الفعلي عند الحكماء ؛ قال الحكيم السبزواري :وبتوهّم لسقطة ، على * جذع ، عناية ، سقوط فعلاوقال في شرحه : فانّ هذا العلم التوهمي بمجرّده ، ومحض تخيّل السقوط بلا رويّة وتصديق بغاية ، منشأ للفعل الذي هو السقوط . شرح المنظومة لناظمها : 117 .
( 2 ) - العلم لا ينحصر بالفعلي والانفعالي ، بل منه ما ليس بفعلي ولا انفعالي . راجع شرح المواقف 6 : 44 ؛ نهاية الحكمة : 264 .