وأنّ للمادة بداية كما لها نهاية . ومن المعلوم أنّ الحدوث لا ينفك عن محدث ، تبعاً لقانون العلية والمعلولية ، فما هو المحدث للمادة ؟ إنّه شيء غير المادة قطعاً ، فهو شيء غيبي محيط بالمادة ، وخصوصياتها . « 1 »
د . برهان الصدّيقين
هذا البرهان يختلف عمّا تقدم من البراهين اختلافاً جوهرياً . فإنّ ما سبق من البراهين ، يشترك في توسيط الخلق بين الإنسان والغيب . ولكن هذا البرهان لا واسطة فيه ، وإنّما يتوجه مباشرة إلى مطالعة الوجود - بما هو وجود - ليصل في النتيجة إلى أن هناك وجوداً واجباً ، ينبع وجوده من ذاته .
وإنّما اختصّ العرفاء به ، من بين سائر البراهين ، لأنّهم قالوا : إنّ وجوده سبحانه أجلى من أن يستدلّ عليه بشيء من الممكنات والمخلوقات ، فلا حاجة إلى شيء من هذه الوسائط ، وقد قرروه بوجوه مختلفة تلاحظ في محلّها . « 2 »
وفي بعض كلمات أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، أشار إلى هذا النوع من الاستدلال :
- يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في دعاء الصباح : « يا من دلّ على ذاته بذاته » « 3 » .
- يقول الإمام الشهيد الحسين بن علي عليهما السلام في مناجاته يوم عرفة :
« كيف يُسْتَدَلُّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ !
هامش
( 1 ) . سيأتي في البحث في هذه البراهين الثلاثة بإسهاب في « الإلهيات » ، فصل إثبات الصانع .
( 2 ) . قد قرر هذا البرهان بوجوه : الأوّل - ما أشار إليه الشيخ الرئيس وهو معروف بالتقرير السينوي ، لاحظ شرح الإشارات : 3 / 18 و 66 . الثاني - ما أشار إليه صدر المتألهين والمعروف بالتقرير الصدرائي ، لاحظ الأسفار : 6 / 13 - 16 . الثالث - ما ذكره الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار ، لاحظ الموضع المذكور . الرابع - ما اعتمد عليه المؤسس العلامة الطباطبائي في تعاليقه على الأسفار ( الموضع السابق ) وأصول الفلسفة ، ج 5 .
( 3 ) . بحار الأنوار : 18 / 486 الباب 66 ، الطبعة الحجرية .