تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية المعرفة ( المدخل إلى العلم والفلسفة والاغيات ) محاضرات الشيخ جعفر السبحاني — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ولكن الحق أن يقال : إنّ الإنسان - بما أُوتي من بضاعة مزجاة في مواجهة هذا الكون العظيم - عاجز عن معرفة حقائق أكثر الموجودات ، وإنّما يتمكن من التعرف على صفاتها الظاهرية - كثيراً ما - والباطنية ، أحياناً . ومع هذا الاعتراف ، لا مانع من تعلّق نور العلم بحقائق بعض الأشياء ، وإن كان الجزم بها ، خصوصاً في مثل الفرضيات العلمية ، أمر مشكل ، لأنّ مُثْبَتات العلوم والمعارف - عدا مسلّماتها القطعية ، كالأحكام الكلية في الفن الأعلى والفلسفة الأُولى ، والقواعد الرياضية والهندسية ومبادئ العلوم الطبيعية - أقول : لأنّ مثبتاتِ العلوم والمعارف في اليوم الحاضر ، منفياتُها في الغد والمستقبل . وعلى الإنسان أن يذكر في كل حال قوله تعالى :
« وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
« 1 » . هذا هو الحدّ الّذي يجب أن يقال في المقام من غير فرق في ذلك بين الأُمور الطبيعية والخارجة عن إطارها .

هل تتعلق المعرفة بالخارج عن إطار الحسّ ؟

الإجابة عن هذا السؤال متفرعة على نتيجة البحث في أداة المعرفة ، فإن قلنا هناك بانحصار أداتها في الحسّ وما يشابهه ، كالتمثيل والاستقراء والتجربة ، فلا تتعلق المعرفة بما وراء المحسوسات ، لعدم وجود أداة قابلة لإدراكها . وأمّا لو قلنا بأنّ العقل أحدها ، بل قلنا بأنّ الأدوات الأُخرى لا تنتج إلّا بمعونة العقل ، فعندئذٍ لا يبقى هناك فرق بين المحسوسات والمعقولات ، والماديات والمجردات . فوجود أداة العقل ، دليل على إمكان المعرفة ، وقد تقدم فيما سبق أنّ طريق البرهنة على النظريات الخارجة عن إطار الحسّ ، هو إنهاؤها حسب التسلسل المنطقي إلى البديهيات ، فعند ذلك يستطيع العقل التعرّف على المحسوسات وما وراءها ، لأنّ البديهيات بديهية الصدق ، وما يبتني عليها يكون صادقاً مثلها .
هامش
( 1 ) . الإسراء : 85 .