II
فضاء ابن خلدون الفكري
1 - التاريخ والدورة الخلدونية
مثّل ابن خلدون في بعض توجّهاته الثقافية والفكرية النزعة العربية في بنيانها الخاص ، لا سيّما تلك النزعة التي تستمدّ معارفها من مصدرين : النص والتجربة الواقعية ، أو الوقائع العملية . والشاهد على ذلك أقواله المتعدّدة ومنها :
« إن حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم ، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران . . . وما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال » « 1 » . ويذكر في موضع آخر أن من المغالط في الحكايات والوقائع عدم اعتمادها على النقد ، وقبولها استنادا إلى النقل عن الآخرين من دون سبر ، « بمعيار الحكمة ، والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار » « 2 » .
والبيّن هنا أن ابن خلدون ، على الرغم من أشعريته المنادية بالكسب وبعدم الإقرار بالعلل المؤثّرة ، فإنه يعبّر بطريق غير مباشر عن مبدأين هما :
الاعتراف بوجود طبائع في العمران ، تحدث عنها الأحوال في الاجتماع ، وتعرّض العمران عينه لتغيّرات . وهذان المبدءان مأخوذان من أسّ التجربة المحسوسة التي تشاهد المتغيّرات من الوقائع التاريخية ، ولا تقف عند نقلها
هامش
( 1 ) المقدمة ، 1 / 328 .
( 2 ) المرجع السابق ، 1 / 291 .