تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 1718

مساهمون:

ص١٧١٨
بإرادة العليم الحكيم ، وخالفهم فيه جمهور المتكلمين بناء على ما تقرّر عندهم من نفي المجرّدات على الإطلاق عقولا كانت أو نفوسا . واحتج المثبتون للتجرّد عقلا بوجوه منها أنّها تعقل المفهوم الكلّي فتكون مجرّدة لأنّ النفس إذا كانت ذا وضع كان المعنى الكلّي حالا في ذي وضع ، والحال في ذي الوضع يختص بمقدار مخصوص ووضع معيّن ثابتين لمحلّه فلا يكون ذلك الحال مطابقا لكثيرين مختلفين بالمقدار والوضع ، بل لا يكون مطابقا إلّا لما له ذلك المقدار والوضع فلا يكون كلّيّا ، هذا خلف وردّ بأنّا لا نسلّم أنّ عاقل الكلّي محلّ له لابتنائه على الوجود الذهني ، وأيضا الحال فيما له مقدار وشكل ووضع معيّن لا يلزم أن يكون متصفا به لجواز أن لا يكون الحلول سريانيا . وأمّا نقلا فمن وجوه أيضا . الأول قوله تعالى
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ
« 1 » الآية ، ولا شكّ أنّ البدن ميت فالحيّ شيء آخر مغاير له هو النفس . والثاني قوله تعالى
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
« 2 » والمعروض عليها ليس البدن الميّت فإنّ تعذيب الجماد محال . والثالث قوله تعالى :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ
« 3 » الآية ، والبدن الميت غير راجع ولا مخاطب . والرابع قوله عليه السلام : ( إذا حمل الميت على نعشه يرفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبنّ بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال من حلّه ومن غير حلّه ثم تركته لغيري ) « 4 » الحديث ، فالمرفرف غير المرفرف فوقه . والجواب أنّ الأدلة تدلّ على المغايرة بينها وبين البدن لا على تجرّدها . واحتج النافون للتجرّد أيضا بوجوه . منها أنّ المشار إليه بأنا وهو معنى النفس يوصف بأوصاف الجسم فكيف تكون مجرّدة . وإن شئت التوضيح فارجع إلى شرح المواقف وشرح التجريد وغيرهما . ثم المنكرون للتجرّد اختلفوا في النفس الناطقة على أقوال سبقت في لفظ الروح ولفظ الإنسان ولفظ السّر . اعلم أنّ صاحب الإنسان الكامل قال : النفس في اصطلاح الصوفية خمسة أضرب حيوانية وأمّارة وملهمة ولوّامة ومطمئنّة وكلّها أسماء الروح إذ ليس حقيقة النفس إلّا الروح وليس حقيقة الروح إلّا الحق فافهم . فالنفس الحيوانية تسمّى بالروح باعتبار تدبيرها للبدن فقط . وأمّا الفلسفيون فالنفس الحيوانية عندهم هو الدم الجاري في العروق وليس هذا بمذهبنا . ثم النفس الأمّارة تسمّى بها باعتبار ما يأتيها من المقتضيات الطبيعية الشهوانية للانهماك في اللذات الحيوانية وعدم المبالاة بالأوامر والنواهي . ثم النفس الملهمة تسمّى بها لاعتبار ما يلهمها اللّه من الخير ، فكلّ ما تفعله من الخير هو بالإلهام الإلهي ، وكلّ ما تفعله من الشّر هو بالاقتضاء الطبيعي وذلك الاقتضاء منها بمثابة الأمر لها بالفعل ، فكأنّها هي الأمّارة لنفسها يفعل تلك المقتضيات فلذا سمّيت أمّارة ، وللإلهام الإلهي سمّيت ملهمة . ثم النفس اللّوّامة سمّيت بها لاعتبار أخذها في الرجوع والإقلاع فكأنّها تلوم نفسها عن الخوض في تلك المهالك ولذا سمّيت لوّامة . ثم النفس المطمئنّة سمّيت بها لاعتبار سكونها إلى الحقّ واطمئنانها به وذلك إذا قطع الأفعال المذمومة والخواطر المذمومة مطلقا ، فإنّه متى لم ينقطع
هامش
( 1 ) آل عمران / 169 ( 2 ) غافر / 46 ( 3 ) الفجر / 27 - 28 ( 4 ) لم نعثر على نص هذا الحديث في كتب الصحاح والأسانيد كما لم نجد نصا قريبا من معناه .