لا في محلّ النطق بأن يكون حكما لغير المذكور وحالا من أحواله . ثم المنطوق على قسمين : صريح وهو ما وضع اللفظ له فيدلّ عليه بالمطابقة أو بالتضمّن ، وغير صريح وهو ما لم يوضع اللفظ له بل يلزم ما وضع له فيدلّ عليه بالالتزام ، وغير الصريح ينقسم إلى دلالة اقتضاء وإيماء وإشارة لأنّه إمّا أن يكون مقصودا للمتكلم فذلك بحكم الاستقراء قسمان : أحدهما أن يتوقّف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه ويسمّى دلالة الاقتضاء . أمّا الصدق فنحو ( رفع عن أمتي الخطأ والنّسيان ) « 1 » ، أي مؤاخذة الخطاء والنسيان إذ لو لم يقدر المؤاخذة ونحوها لكان كاذبا لأنّهما لم يرفعا . وأمّا الصحة العقلية فنحو
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 2 » إذ لو لم يقدّر أهل القرية لم يصح عقلا لأنّ سؤال القرية لا يصحّ عقلا . وأمّا الصحة الشرعية فنحو قول القائل : اعتق عبدك عني بألف لأنّه يستدعي تقدير الملك أي اجعله ملكا لي على ألف لأنّ العتق بدون الملك لا يصحّ شرعا . وثانيهما أن يقترن بحكم لو لم يكن للتعليل لكان بعيدا ، أي يقترن الملفوظ الذي هو مقصود للمتكلم بحكم أي وصف لو لم يكن ذلك الحكم أي الوصف لتعليل ذلك المقصود لكان اقترانه به بعيدا ، فيفهم منه التعليل ويدلّ عليه ، وإن لم يصرّح به ويسمّى تنبيها وإيماء كما مرّ ، وإن لم يكن مقصودا للمتكلم سمّي دلالة إشارة كقوله عليه الصلاة والسلام في النساء ( إنّهن ناقصات عقل ودين . فقيل : وما نقصان دينهن ؟ قال : يمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلّي ) « 3 » ، أي نصف دهرها ، فدلّ على أنّ أكثر الحيض خمسة عشر يوما وكذا أقل الطهر ، ولا شكّ أنّ بيان ذلك غير مقصود ، لكن لزم من حيث أنّه قصد المبالغة في نقصان دينهن ، والمبالغة تقتضي ذكر أكثر ما يتعلّق به الفرض . فلو كان زمان ترك الصلاة وهو زمان الحيض أكثر من ذلك أو زمان الصلاة وهو زمان الطهر أقلّ من ذلك لذكره . وبالجملة فالمنطوق يشتمل الصريح وغير الصريح ، فدلالة لا تقل لهما أف على تحريم التأفيف منطوق صريح وعلى تحريم الضرب مفهوم ، ودلالة يمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلّي على أنّ أكثر الحيض وأقلّ الطهر خمسة عشر يوما منطوق غير صريح . هذا لكن بين المفهوم وغير الصريح من المنطوق محل تأمّل .
اعلم أنّ المنطوق والمفهوم من أقسام الدلالة ، لكن عبارات القوم صريحة في كونهما من أقسام المدلول كما قال الآمدي : المنطوق ما فهم من اللفظ نطقا أي في محل النطق ، والمفهوم ما فهم من اللفظ في غير محل النطق ، وهكذا وقع في الإتقان . ثم صاحب الإتقان قسّم المنطوق وقال إن أفاد المنطوق معنى لا يحتمل غيره فالنّصّ ، أو مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا فالظاهر انتهى . وقد يقال إنّ لفظ ما هاهنا مصدرية ، فالمنطوق أن يدلّ اللفظ أي دلالة اللفظ على معنى في محلّ النطق أي
هامش
( 1 ) أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول ، موسوعة أطراف الحديث ، 5 / 147 . وعزاه إلى ابن حجر في تلخيص الحبير ، 1 / 281 .
سنن ابن ماجة ، كتاب الطلاق ، باب طلاق المكره والناسي ، ح 2043 ، 1 / 659 . بلفظ : « إن اللّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان » .
( 2 ) يوسف / 82
( 3 ) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان نقصان الايمان بنقص الطاعات ، ح 132 ، 1 / 86 بلفظ :
يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار ، فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن جزلة : وما لنا يا رسول اللّه أكثر أهل النار ، قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير . وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن » قالت يا رسول اللّه وما نقصان العقل والدين ؟ . . .