فائدة :
للناس في الفرق بين الكناية والتعريض عبارات متقاربة . فقال الزمخشري الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له والتعريض أن يذكر شيئا يدلّ به على ذكر شيء لم يذكره ، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك لأسلّم عليك فكأنّ إمالة الكلام إلى عرض يدلّ على المقصود ويسمّى التلويح لأنّه يلوح منه ما تريده . وقال ابن الأثير : الكناية ما دلّ على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما ويكون في المفرد والمركّب ، والتعريض هو اللفظ الدالّ على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي بل من جهة التلويح والإشارة فيختصّ باللفظ المركّب ، كقول من يتوقّع صلة واللّه إني محتاج فإنّه تعريض بالطلب مع أنّه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا ، وإنّما فهم من عرض اللفظ أي جانبه . وقال السّبكي في الفرق بينهما الكناية لفظ استعمل في معناه مرادا به لازم المعنى فهو بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة والتجوّز في إرادة إفادة ما لم يوضع له ، وقد لا يراد بها المعنى بل يعبّر بالملزوم عن اللازم وهي حينئذ مجاز . وأمّا التعريض فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره نحو قوله تعالى
قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
« 1 » نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتّخذة آلهة كأنّه غضب أن تعبد الصغار معه تلويحا لعابديها فإنّها لا تصلح للإلهية لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم عن عجز كبيرها عن ذلك الفعل ، والإله لا يكون عاجزا فهو حقيقة أبدا . وقال السّكّاكي التعريض ما سبق لأجل موصوف غير مذكور ، ومنه أن يخاطب واحد ويراد غيره كذا في المطول والاتقان . وقال السّيّد السّند في توضيحه ما حاصله إن مقصود العلّامة الزمخشري بيان الفرق بينهما فلا يرد النقض على حدّ الكناية بالمجاز ، فإنّ ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له حاصله استعمال اللفظ في غير ما وضع له ، وذكر شيء يدلّ على شيء لم تذكره يفهم منه أنّ الشيء الأول مذكور بلفظه الموضوع له لأنّه الأصل المتبادر عند الإطلاق .
ويفهم منه أيضا أنّ الشيء الثاني لم يستعمل فيه اللفظ وإلّا لكان مذكورا في الجملة . وبالجملة فحاصل الفرق أنّه اعتبر في الكناية استعمال اللفظ في غير ما وضع له وفي التعريض استعماله فيما وضع له مع الإشارة إلى ما لم يوضع له من السّياق . وكلام ابن الأثير أيضا يدلّ على أنّ المعنى التعريضي لم يستعمل فيه اللفظ بل هو مدلول عليه إشارة وسياقا ، وكذا كلام السّبكي بل تسميته تلويحا يلوح منها ذلك ، وكذلك تسميته تعريضا ينبئ عنه . ولذلك قيل هو إمالة الكلام إلى عرض أي جانب يدلّ على المقصود ، هذا هو مقتضى ظاهر كلام العلّامة .
وتوضيحه أنّ اللفظ المستعمل فيما وضع له فقط هو الحقيقة المجرّدة ويقابله المجاز لأنّه المستعمل في غير الموضوع له فقط ، والكناية اللفظ المستعمل بالأصالة فيما لم يوضع له والموضوع له مراد تبعا ، وفي التعريض هما مقصودان الموضوع له من نفس اللفظ حقيقة أو مجازا أو كناية والمعرّض به من السياق ، فالتعريض يجامع كلا من الحقيقة والمجاز والكناية . وإذا كانت الكناية تعريضية كان هناك وراء المعنى الأصلي والمعنى المكنى عنه معنى آخر مقصود بطريق التلويح والإشارة ، وكان المعنى المكنى عنه بينهما بمنزلة المعنى الحقيقي في كونه مقصودا من اللفظ مستعملا هو فيه ، فإذا قيل المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وأريد به التعريض بنفي الإسلام عن مؤذ معيّن فالمعنى الأصلي هاهنا انحصار الإسلام
هامش
( 1 ) الأنبياء / 63