الأشاعرة فإنّها لا تؤثّر في فعل أصلا ، فلا يدخل في التفسير الأول . وليست مبدأ لأثر قطعا فلا يدخل في الثاني وإن كان لها تعلّق بالفعل يسمّى ذلك التعلّق كسبا . ونفى جهم « 1 » القدرة الحادثة وقال لا قدرة للعبد أصلا وهذا غلوّ في الجبر لا توسّط بين الجبر والتفويض كما هو الحقّ ، لأنّ الفرق بين الصاعد بالاختيار وبين الساقط عن علو ضروري فالأول له اختيار أي له صفة توجد الصعود عقيبها ويتوهّم كونها مؤثّرة فيه ، وتسمّى تلك الصفة قدرة واختيارا دون الثاني أي الساقط من العلو ليس له تلك الصفة . فإن قال جهم لا نريد بالقدرة إلّا الصفة المؤثّرة وإذ لا تأثير فلا قدرة كان منازعا لنا معاشر الأشاعرة في التسمية ، فإنّا نثبت للعبد ذات الصفة المعلومة بالبديهة ونسمّيها قدرة ، فإذا اعترف جهم بتلك الصفة وقال إنّها ليست قدرة لعدم تأثيرها كان نزاعه معنا في إطلاق لفظ القدرة على تلك الصفة ، وهو بحث لفظي . وإن قال حقيقة القدرة وماهيتها أنّها صفة مؤثّرة منعناه ، فإنّ التأثير من توابع القدرة وقد ينفكّ عنها كما في القدرة الحادثة عندنا .
فائدة :
اتفقت الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم على أنّ القدرة وجودية يتأتّى معها الفعل بدلا عن الترك والترك بدلا عن الفعل . وقال بشر بن المعتمر القدرة الحادثة عبارة عن سلامة البنية عن الآفات ، فجعلها صفة عدمية . قال فمن أثبت صفة وجودية زائدة على سلامة البنية فعليه البرهان . واختار الإمام الرازي مذهبه في المحصّل « 2 » . وقال ضرار بن عمرو بن هشام بن سالم إنّها بعض القادر فالقدرة على الأخذ عبارة عن اليد السليمة ، والقدرة على المشي عبارة عن الرجل السليمة . وقيل القدرة الحادثة بعض المقدور وفساده أظهر .
فائدة :
قال الأشعري وأكثر أصحابه القدرة الواحدة لا تتعلّق بمقدورين مطلقا سواء كانا متضادين أو متماثلين أو مختلفين لا على سبيل البدل ولا معا ، بل إنّما تتعلّق بمقدور واحد وذلك لأنّ القدرة مع المقدور . لا شكّ أنّ ما نجده عند صدور أحد المقدورين منا مغاير لما نجده عند صدور الآخر . وقال أكثر المعتزلة تتعلّق بجميع مقدوراته أي المتضادة وغيرها .
وقال الإمام الرازي القدرة تطلق على مجرّد القوة هي مبدأ الأفعال المختلفة الحيوانية وهي القوة العضلية التي هي بحيث متى انضمّ إليها إرادة أحد الضدين حصل ذلك الضدّ ، ومتى انضمّ إليها إرادة الضدّ الآخر حصل ذلك الآخر وهي قبل الفعل ، وعلى القوة المستجمعة بشرائط التأثير ، ولا شكّ أنّها تتعلّق بالضّدين معا بل بالنسبة إلى كلّ مقدور غيرها بالنسبة إلى المقدور الآخر لاختلاف الشرائط وهي مع الفعل . ولعلّ الشيخ أراد بالقدرة القوة المستجمعة والمعتزلة مجرّد القوة .
فائدة :
العجز عرض مضاد للقدرة باتفاق الأشاعرة وجمهور المعتزلة خلافا لأبي هاشم في آخر أقواله ، حيث ذهب إلى أنّه عدم القدرة
هامش
( 1 ) هو جهم بن صفوان السمرقندي ، أبو محرز ، توفي عام 128 ه / 745 م زعيم فرقة الجهمية ، مات قتلا .
الاعلام 2 / 141 ، ميزان الاعتدال 1 / 197 ، لسان الميزان 2 / 142 ، خطط المقريزي 2 / 349 .
( 2 ) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والمتكلمين للامام فخر الدين محمد بن عمر الرازي ( - 606 ه ) كشف الظنون 2 / 1614 .