تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 915

مساهمون:

ص٩١٥
تكون بما في يديك أوثق مما في يد اللّه تعالى ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها ، لو أنّها بقيت لك » « 1 » . ولا يعارض ما مرّ من تفسير الزهد لأنّ الترمذي ضعّفه ولأنّ أحمد رواه موقوفا على أبي مسلم الخولاني « 2 » بزيادة « وأن يكون مادحك وذامّك في الحق سواء » « 3 » . وقد اشتمل ثلاثة أمور كلها من أعمال القلب دون الجوارح ، ومن ثم كان أبو سليمان يقول لا نشهد لأحد بالزهد لأنّه في القلب . ومنشأ أول تلك الأمور الثلاثة من صحة اليقين وقوته فإنّه تعالى يتكفّل بأرزاق عباده كما في آيات كثيرة . وفي حديث مرفوع : « من سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد اللّه أوثق مما في يده » « 4 » . وقال الفضيل « 5 » : أصل الزهد الرضا عن اللّه عز وجل ، والقنوع هو الزهد وهو الغنى ، فمن حقّق اليقين وثق في أموره كلها باللّه ورضي بتدبيره له ، وغنى عن الناس ، وإن لم يكن له شيء من الدنيا . ومنشأ ثانيها من كمال اليقين ، ومن ثمّ روي أنّ من دعائه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « اللّهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك ومن اليقين ما تهون به علينا من مصائب الدنيا » « 6 » . وقال علي كرّم اللّه وجهه : من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب . ومنشأ ثالثها من سقوط منزلة المخلوقين من القلب وامتلائه من محبة الحقّ وإيثار رضاه على رضا غيره ، وأن لا يرى لنفسه قدر الوجه . ومن ثمّ كان الزاهد في الحقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها . ولذا قيل : الزهد في الرئاسة أشدّ منه في الذهب والفضة . وقيل لبعض السلف من معه مال هل هو زاهد ؟ فقال نعم إن لم يفرح بزيادته . وقال سفيان الثوري « 7 » : الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا بليس العباء . ومن دعائه صلى اللّه عليه وسلم : « اللّهم زهدنا في الدنيا ووسّع علينا منها ولا تزوها عنا فترغبنا فيها » « 8 » . وقال أحمد : هو قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس ، أي لأنّ قصره يوجب محبّة لقاء اللّه تعالى بالخروج من الدنيا وهذا نهاية الزهد فيها والإعراض عنها . هذا كله خلاصة ما في فتح المبين شرح الأربعين في شرح الحديث الحادي والثلاثين ومجمع السلوك وخلاصة السلوك . وأورد في الصحائف : الزهد عندنا على ثلاث مراتب : 1 - المرتبة الأولى : الزهد في الدنيا وهذا
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ج 4 / 277 . ( 2 ) هو عبد اللّه بن ثوب الخولاني . توفي بدمشق عام 62 ه / 682 م . تابعي ، فقيه ، زاهد . وكان يقال عنه : أبو مسلم حكيم هذه الأمة . الأعلام 4 / 75 ، تذكرة الحفاظ 1 / 46 ، حلية الأولياء 2 / 122 ، اللباب 1 / 395 ، البداية والنهاية 8 / 146 . ( 3 ) ذكره ابن حجر الهيثمي في كتاب فتح المبين لشرح الأربعين ص 206 . ولم نجده في كتب الصحاح والأسانيد . ( 4 ) المغني عن حمل الأسفار للعراقي 4 / 239 . من سرّه أن يكون عند اللّه أغنى الناس : إتحاف السادة المتقين للتبريزي 9 / 388 . من سره أن يكون من أغنى الناس . تاريخ أصبهان لأبي نعيم 2 / 363 . ( 5 ) هو الفضيل بن عياض ، شيخ الحرم المكي . وقد سبقت ترجمته . ( 6 ) سنن الترمذي 3502 . مستدرك الحاكم 1 / 528 - 2 : 142 . مشكاة المصابيح للتبريزي 2492 . شرح السنة للبغوي 5 : 174 . ( 7 ) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، أبو عبد اللّه ، ولد بالكوفة عام 97 ه / 716 م . وتوفي بالبصرة عام 161 ه / 778 م . لقّب بأمير المؤمنين في الحديث . كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى له عدة كتب . الاعلام 3 / 104 ، وفيات الأعيان 1 / 210 ، الجواهر المضية 1 / 250 ، طبقات ابن سعد 6 / 257 ، حلية الأولياء 6 / 356 . ( 8 ) جاء بلفظ : ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا . سنن الترمذي ، كتاب الدعوات ، باب رقم 80 دون اسم ، ج ( 3502 ) ، 5 / 528 . أما « اللهم زهدنا في الدنيا » فهو دعاء لسفيان الثوري ، ذكره ابن حجر الهيثمي في كتاب فتح المبين لشرح الأربعين ، شرح الحديث 31 ، ص 206 .