الإشارات كأنّ الروح المصبوب في البطن المقدّم هو آلة للحسّ المشترك والخيال إلّا أنّ ما في مقدم ذلك البطن أعني التجويف الأول أخص بالحسّ المشترك وما في مؤخّره أخصّ بالخيال . واستدلّوا على وجود الخيال بأنّا إذا شاهدنا صورة ثم ذهلنا عنها زمانا ثم نشاهد مرة أخرى نحكم عليها بأنّها هي التي شاهدناها قبل ذلك ، فلو لم تكن تلك الصورة محفوظة فينا زمان الذهول لامتنع الحكم بأنّها هي التي شاهدناها قبل ذلك وإن شئت تمام التحقيق فارجع إلى شرح المواقف وغيره .
قال الصوفية الخيال أصل الوجود والذات الذي فيه كمال ظهور المعبود . ألا ترى إلى اعتقادك بالحق وأنّ له من الصفات والأسماء ما له آين وآين محل ذلك ، فعلم أنّ الخيال أصل جميع العوالم لأنّ الحق هو أصل الأشياء ، وذلك المحل هو الخيال ، فثبت أنّ الخيال أصل العوالم بأسرها . ألا ترى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم كيف جعل هذا المحسوس مناما ، والمنام خيال حيث قال : ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ) « 1 » يعني تظهر عليهم الحقائق التي كانوا عليها في دار الدنيا ، فيعرفون أنّهم كانوا نياما لأنّ الموت يحصل الانتباه الكلّي . فإذا الغفلة منسحبة على أهل البرزخ وأهل المحشر وأهل الجنة والنار إلى أن يتجلّى عليهم الحق في الكثيب الذي يخرجون إليه أهل الجنة ، فيشاهدون اللّه تعالى .
وهذه الغفلة هي النوم . فكل العوالم أصلها خيال ، ولأجل هذا يقيد الخيال بمن فيها من الأشخاص فكل أمة من الأمم مقيدة بالخيال في أي عالم كانت ، فأهل الدنيا مقيدون بخيال معاشهم أو معادهم ، وكلا الأمرين غفلة من الحضور مع اللّه ، فهم نائمون . والحاضر مع اللّه هو المنتبه وعلى قدر حضوره مع اللّه يكون انتباهه من النوم . ثم أهل البرزخ نائمون لكن أخف من نوم أهل الدنيا ، فهم مشغولون بما كان منهم وما هم فيه من عذاب أو نعيم ، وهذا نوم لأنهم غافلون عن اللّه وكذلك أهل القيمة فإنهم لو وقفوا بين يدي اللّه للمحاسبة فإنهم مع المحاسبة لا مع اللّه ، وهذا نوم لأنه غفلة عن الحضور ، لكنهم أخف نوما من أهل البرزخ .
وكذلك أهل الجنة والنار فإنّ هؤلاء مع ما تنعّموا به وهؤلاء مع ما تعذّبوا به وهذا غفلة من « 2 » اللّه لكنهم أيضا أخف نوما من أهل المحشر . فلا انتباه إلّا لأهل الأعراف ومن في الكثيب فقط فإنّهم مع اللّه ، وعلى قدر تجلّى الحق عليهم يكون الانتباه حاصلا له . ومن حصل له في الدنيا بحكم تقديم ما تأخّر لأهل الجنة في الكثيب فتجلّى عليه الحق فعرفه فهو يقظان . ولذا أخبر سيّدنا أن الناس نيام . فإذا عرفت أنّ أهل كل عالم محكوم عليهم بالنوم ، فاحكم على تلك العوالم جميعها أنّها خيال لأنّ النوم عالم الخيال كذا في الإنسان الكامل .
ويقول في كشف اللغات : يقولون : إنّ الخيال هو عالم المثال ، وذلك هو البرزخ بين عالم الأرواح والأجسام . وقال الجنيد ( البغدادي ) :
إني وجدت سبعين وليا يعبدون اللّه بوهم وخيال . والعبادة بالوهم والخيال تلك هي التي يقال لها : إنّها تكون بغير تمكين واستقامة ومشاهدة الحق ومعاينة حقيقة اليقين التي هي للخواص . وليست تلك المسيطرة على العوام بالوهم والخيال . نعوذ باللّه منها . والخيال عند الشعراء هو : إيراد ألفاظ مشتركة تشتمل على معنين ؛ أحدهما حقيقي والثاني مجازي . والمراد منهما هو المجازي وشرط أن يكون مجازا
هامش
( 1 ) ذكره العجلوني كشف الخفاء ، 2 / 414 ، وقال هو من قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، لكن عزاه الشعراني في الطبقات لسهل التستري .
( 2 ) عن ( م ) .