بالمعاني اللغوية المنبئة عن كون الحكم فعلا .
فالحكم على هذا إمّا جزء من التصديق كما ذهب إليه الإمام أو شرط له كما هو مذهب المتأخرين من المنطقيين ، ويجيء في لفظ التصديق زيادة تحقيق لهذا .
ومنها نفس النسبة الحكمية على ما صرّح به الچلپي في حاشية الخيالي بعد التصريح بالمعنى الأول . وهذا المعنى إنّما يكون مغايرا للأول عند المتأخرين الذاهبين إلى أنّ أجزاء القضية أربعة : المحكوم عليه وبه ونسبة تقييدية مسمّاة بالنسبة الحكمية ووقوع تلك النسبة أولا وقوعها الذي إدراكه هو المسمّى بالتصديق .
وأما عند المتقدمين الذاهبين إلى أنّ أجزاء القضية ثلاثة : المحكوم عليه وبه والنسبة التامة الخبرية التي إدراكها تصديق فلا يكون مغايرا للمعنى الأول ، لما عرفت من أنّ النسبة الحكمية ليست أمرا مغايرا للنسبة الخبرية .
ومنها إدراك تلك النسبة الحكمية
ومنها إدراك وقوع النسبة أولا وقوعها المسمّى بالتصديق ، وهذا مصطلح المنطقيين والحكماء وقد صرّح بكلا هذين المعنيين الچلپي أيضا في حاشية الخيالي . والتغاير بين هذين المعنيين أيضا إنما يتصوّر على مذهب المتأخرين . قالوا الفرق بين إدراك النسبة الحكمية وإدراك وقوعها أولا وقوعها المسمّى بالحكم هو أنّه ربّما يحصل إدراك النسبة الحكمية بدون الحكم ، فإنّ المتشكّك في النسبة الحكمية متردّد بين وقوعها ولا وقوعها ، فقد حصل له إدراك النسبة قطعا ولم يحصل له إدراك الوقوع واللاوقوع المسمّى بالحكم فهما متغايران قطعا . وأجيب بأنّ التردّد لا يتقوم حقيقة ما لم يتعلّق بالوقوع أو اللاوقوع فالمدرك في الصورتين واحد والتفاوت في الإدراك بأنّه إذعاني أو تردّدي . وبالجملة فيتعلّق بهذا المدرك علمان علم تصوّري من حيث إنّه نسبة بينهما وعلم تصديقي باعتبار مطابقته للنسبة التي بينهما في نفس الأمر ، وعدم مطابقته إياها على ما مرّت الإشارة إليه في المعنى الأول . وأما على مذهب القدماء فلا فرق بين العبارتين إلّا بالتعبير . فمعنى قولنا إدراك النسبة وإدراك الوقوع واللاوقوع على مذهبهم واحد إذ ليس نسبة سوى الوقوع واللاوقوع ، وهي النسبة التامة الخبرية . وأمّا النسبة التقييدية الحكمية المغايرة لها فممّا لا ثبوت له كما عرفت . فعلى هذا إضافة الوقوع واللاوقوع إلى النسبة بيانية . لكنّ هذا الإدراك نوعان : إذعاني وهو المسمّى عندهم بالحكم المرادف للتصديق وغير إذعاني وتسميته بالحكم عندهم محتمل غير معلوم ، ويؤيد هذا ما ذكر السيّد السّند والمولوي عبد الحكيم في حواشي شرح الشمسية . وحاصله أنّ معنى قولنا إدراك وقوع النسبة أولا وقوعها ليس أن يدرك معنى الوقوع أو اللاوقوع مضافا إلى النسبة ، فإنّ إدراكهما بهذا المعنى ليس حكما بل هو إدراك مركّب تقييدي من قبيل الإضافة ، بل معناه أن يدرك أنّ النسبة واقعة ويسمّى هذا الإدراك حكما إيجابيا ، أو أن يدرك أنّ النسبة ليست بواقعة ويسمّى هذا الإدراك حكما سلبيا ، أعني معناه أن يدرك أنّ النسبة المدركة بين الطرفين أي المحكوم عليه والمحكوم به واقعة بينهما في حدّ ذاتها مع قطع النظر عن إدراكنا إيّاها أو ليست بواقعة كذلك ، وهو الإذعان بمطابقة النسبة الذهنية لما في نفس الأمر أو في الخارج ، أعني للنسبة مع قطع النظر عن إدراك المدرك بل من حيث إنها مستفادة من البداهة أو الحسّ أو النظر . فمآل قولنا إنّ النسبة واقعة أو ليست بواقعة .
وقولنا إنّها مطابقة واحدة والمراد به الحالة الإجمالية التي يقال لها الإذعان والتسليم المعبّر عنه بالفارسية بگرويدن لا إدراك هذه القضية ، فإنّه تصوّر تعلّق بما يتعلّق به التصديق يوجد في
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 694
مساهمون: محمد علي التهانوي
ص٦٩٤