تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ
« 1 » الآية . ولأنّ نبينا عليه الصلاة والسلام سيد المرسلين بالإجماع لا خلاف فيه لأحد من المؤمنين ، فالصلاة عليه أشرف وأكمل وأعلى بلا ريب فيلزم تشبيه الأعلى بغير الأعلى . وأجيب عن ذلك بوجوه : أوّلها أنّ إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام دعا لنبينا حيث قال
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
« 2 » الآية وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ( أنا دعوة إبراهيم ) « 3 » الحديث ، فلما وجب للخليل على الحبيب حق دعائه قضى اللّه تعالى عنه حقّه بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيمة . وثانيها أنّ إبراهيم سأل ربه بقوله
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
« 4 » يعني ابق لي ثناء حسنا في أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، فأجابه اللّه تعالى إليه وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته . وثالثها أنّ إبراهيم أبو الملّة لقوله تعالى
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
« 5 » الآية ولقوله تعالى
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
« 6 » الآية ، وغيرها من الآيات . ونبينا عليه السلام كان أبا الرحمة لقوله تعالى
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
« 7 » الآية فلمّا وجب لكل واحد منهما عليهما السلام حقّ الأبوة وحقّ الرحمة قرن بين ذكريهما في باب الصلاة والثناء . ورابعها أنّ إبراهيم كان منادي الشريعة في الحجّ وكان نبينا عليه السلام منادي الدين لقوله تعالى
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ
« 8 » الآية ، فجمع بينهما في الصلاة . وخامسها أنّ الشّهرة والظهور في المشبّه به كاف للتشبيه ، ولا يشترط كون المشبّه به أكمل وأتمّ في وجه التشبيه . وكان أهل مكّة يدينون ملة إبراهيم على زعمهم وكان أكثرهم من أولاد إسماعيل وإسماعيل بن إبراهيم ، وكان إبراهيم مشهورا عندهم وكذلك عند اليهود والنصارى لأنهم من أولاد إسحاق وهو ابن إبراهيم أيضا ، فكلّهم ينسبون إلى إبراهيم عليهم السلام . وسادسها بعد تسليم الاشتراط المذكور يكفي أن يكون المشبّه به أتم وأكمل ممن سبق أو من غيره ، ولا يشترط كونه أتمّ من المشبّه كما في قوله تعالى
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ
« 9 » الآية . هكذا في التفسير الكبير وشرح المشكاة « 10 » ومدارج النبوة . اعلم أنّه في جامع الصنائع يقول : إنّ التشبيه ينقسم إلى قسمين : الأول : مرعي ، يعني أنّ المشبّه والمشبّه به كلاهما من الأعيان ، أي الموجودات كما في تشبيه السالفة بالليل والشفة بالسكر . والثاني : غير مرعي : وهو أن يكون المشبّه به ليس من الموجودات ، ولكن من الممكن أن يكون كما في تشبيه العمود المدبّب
هامش
( 1 ) الأحزاب / 43 . ( 2 ) البقرة / 129 . ( 3 ) اخرجه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 1 / 39 ، عن الضحاك ، وتمامه : أن النبي قال : انا دعوة إبراهيم قال وهو يرفع القواعد من البيت : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ، فقرأ الآية حتى أتمّها ، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 / 139 ، عن الضحاك 5 / 207 ، واخرجه البيهقي في دلائل النبوة 1 / 69 . ( 4 ) الشعراء / 84 . ( 5 ) الحج / 78 . ( 6 ) البقرة / 135 . ( 7 ) الأحزاب / 6 . ( 8 ) آل عمران / 193 . ( 9 ) النور / 35 . ( 10 ) لعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللّه أبي محمد الدهلوي ( - 1052 ه ) . إيضاح المكنون 3 / 88 ، هدية العارفين 1 / 503 .