موافقة للأمر . وأجيب بأنّا إذا عرّفنا الأمر بوجه ما ككونه كلاما كفانا ذلك في أن يعلم المخاطب به وهو المأمور وما يتضمّنه وهو المأمور به وفعل مضمونه وهو طاعة . والحاصل أن المأمور والمأمور به والطاعة لا تتوقف معرفتها على معرفة الأمر بحقيقته ، بل على معرفته بوجه ما فلا دور . وقيل هو الخبر بالثواب عن الفعل تارة والعقاب على الترك تارة . ويرد عليه أنه يستلزم الثواب والعقاب حذرا عن الخلف في خبر الصادق وليس كذلك . أما الثواب فلجواز إحباط العمل بالرّدة ، وأما العقاب فلجواز العفو والشفاعة . فالأولى أن يقال إنه الخبر باستحقاق الثواب على الفعل والعقاب على الترك . ويرد عليهما أنّ الخبر يستلزم إمّا الصدق أو الكذب والأمر من قبيل الإنشاء المباين للخبر فكيف يجعل أحد المتباينين جنسا للآخر . أمّا المعتزلة فلمّا أنكروا الكلام النفسي وكان الطلب نوعا منه لم يمكنهم تحديده به ، فتارة حدّدوه باعتبار اللفظ فقالوا :
هو قول القائل لمن دونه افعل . ويرد عليه الإيرادان السابقان المذكوران في التعريف الثاني مع إيراد آخر وهو أن افعل إذا صدر عن الأدنى على سبيل الاستعلاء لا يكون أمرا . وأجيب بمنع كونه أمرا عندهم لغة وإن سمّي به عرفا .
والمراد بالقول هو اللفظ لأنهم لم يقولوا بالكلام النفسي . وقال قوم هو صيغة افعل مجرّدة عن القرائن الصارفة عن الأمر وفيه أنه تعريف للأمر بالأمر فيشتمل الدّور . وأجيب بأن الأمر المأخوذ في التعريف بمعنى الطلب . وتارة باعتبار ما يقترن بالصيغة من الإرادة . فقال قوم صيغة افعل بإرادات ثلاث : إرادة وجود اللفظ وإرادة دلالتها على الأمر وإرادة الامتثال .
واحترز بالأولى عن النائم إذ يصدر عنه صيغة افعل من غير إرادة وجود اللفظ وبالثانية عن التهديد والتخيير ونحو ذلك ، وبالثالثة عن الصيغة التي تصدر عن المبلّغ والحاكي فإنه لا يريد الامتثال . ويرد عليه أن فيه تعريف الشيء بنفسه . وأجيب بأن المراد بالأمر الثاني هو الطلب . وغايته أنه استعمل اللفظ المشترك تعويلا على القرينة . وتارة باعتبار نفس الإرادة فقال قوم الأمر إرادة الفعل . وفيه أنه لو كان الأمر هو الإرادة لوقعت المأمورات كلها لأن الإرادة تخصّص المقدور بحال حدوثه ، وإذا لم يوجد لم يحدث ، فلا يتصوّر تخصيصه بحال حدوثه . قيل مبنى هذا على أن الإرادة من اللّه والعبد معنى واحد وأن إرادته فعل العبد يستلزم وقوعه ، وهذا لا يطابق أصول المعتزلة وتمام تحقيقه في الكلام .
فائدة :
لفظ الأمر حقيقة في الصيغة بالاتفاق مجاز في الفعل عند الجمهور ، وحقيقة عند البعض حتى يكون مشتركا . فقد ذهب أبو الحسين البصري إلى أن لفظ الأمر مشترك بين القول المخصوص والشيء والفعل والصفة والشأن لتردّد الذهن عند إطلاقه إلى هذه الأمور ، وردّ بالمنع ، بل يتبادر الذهن إلى القول المخصوص . وقيل هو حقيقة في القدر المشترك بين القول والفعل أعني هو مشترك معنوي ومتواطئ بينهما ، وهو مفهوم أحدهما دفعا للاشتراك والمجاز . وبعضهم على أنه الفعل أعم من أن يكون باللسان أو بغيره .
ثم اختلفوا في أن صيغة الأمر لما ذا وضعت . فقال الجمهور إنها حقيقة في الوجوب فقط . وقال أبو هاشم إنها حقيقة في الندب فقط . وقيل في الطلب وهو القدر المشترك بين الوجوب والندب . وقيل مشتركة بين الوجوب والندب اشتراكا لفظيّا . وقال الأشعري والقاضي بالتوقّف فيهما أي لا ندري أهو للوجوب أو الندب ، وقيل مشتركة بين معان ثلاثة الوجوب والندب والإباحة . وقيل للقدر المشترك بين