تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
قوله تعالى
بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا
« 1 » فيمن قرأ ليريه بلفظ الغيبة فيه التفات من التكلّم إلى الغيبة ثم من الغيبة إلى التكلم مع أن قوله
مِنْ آياتِنا
ليس بكلام آخر بل هو من متعلّقات ليريه ؛ هذا التفسير هو المشهور فيما بين الجمهور . وقال السكاكي : الالتفات عند أهل المعاني إمّا ذلك التعبير أو التعبير بأحدها فيما حقّه التعبير بغيره ، وكأنه حمل السكاكي قولهم بعد التعبير عنه بآخر منها على أعم من التعبير حقيقة أو حكما ، فإنّ اقتضاء المقام تعبيرا في حكم التعبير ، فالتفسير المشهور أخصّ من تفسير السكاكي فقول الشاعر : تطاول ليلك بالإثمد . فيه التفات على تفسير السكاكي ، وقد صرّح بذلك أيضا إذ مقتضى الظاهر أن يقال : تطاول ليلي ، وليس على التفسير المشهور منه إذ لم يذكر تطاول ليلي سابقا . هذا خلاصة ما في المطول والأطول ، فظهر أنّ الالتفات ستة أقسام . فمن التكلّم إلى الخطاب قوله تعالى :
وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ، وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ
« 2 » ، ومن التكلّم إلى الغيبة قوله
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
« 3 » والأصل لنغفر لك ، ومن الخطاب إلى التكلّم لم يقع في القرآن ومثّل له بعضهم بقوله
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
« 4 » ، ثم قال
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا
« 5 » ، وهذا المثال لا يصحّ لأن شرط الالتفات أن يكون المراد به واحدا . ومن الخطاب إلى الغيبة قوله
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
« 6 » والأصل بكم . ومن الغيبة إلى الخطاب قوله
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ
« 7 » والأصل لقد جاءوا . ومن الغيبة إلى التكلّم قوله :
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا
« 8 » .

تنبيهات

الأوّل شرط الالتفات بهذا المعنى أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه ، وإلّا يلزم أن يكون في أنت صديقي التفات . الثاني شرطه أيضا أن يكون في جملتين صرّح به صاحب الكشاف وغيره . الثالث ذكر التنوخي في الأقصى الغريب « 9 » وابن الأثير وغيرهما نوعا غريبا من الالتفات وهو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلّمه كقوله تعالى
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
« 10 » بعد أنعمت ، فإنّ المعنى غير الذين غضبت عليهم . وتوقف صاحب عروس الأفراح . الرابع قال ابن أبي الإصبع : جاء في القرآن من الالتفات قسم غريب جدا لم أظفر في الشعر بمثاله ، وهو أن يقدم المتكلّم في كلامه مذكورين مرتّبين ثم يخبر عن الأول منهما وينصرف عن الإخبار عنه إلى الإخبار عن الثاني ، ثم يعود إلى الإخبار عن الأول كقوله تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ، وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ
هامش
( 1 ) الأسراء / 1 . ( 2 ) الأنعام / 71 - 72 . ( 3 ) الفتح / 1 - 2 . ( 4 ) طه / 72 . ( 5 ) طه / 73 . ( 6 ) يونس / 22 . ( 7 ) ( مريم / 88 - 89 . ( 8 ) فصلت / 12 . ( 9 ) الأقصى الغريب والصحيح الأقصى القريب في علم البيان لأبي علي محمد بن محمد التنوخي ، زين الدينGALS , I , 994. ( 10 ) الفاتحة / 7 .
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 252 | محمد علي التهانوي