ويقولوا له : وما في تعذّر معارضتك ممّا يدلّ على نبوّتك ، وأنت إنّما أمكنك الإتيان بما تعذّر علينا لفرط فصاحتك لا لمكان نبوّتك ، وما تقدّمك في هذا الباب إلّا كتقدّم فلان وفلان في كذا وكذا من لا حجّة في تقدّمه ، ولا نبوّة له ، ولا عادة انخرقت على يده ! وفي إمساكهم عن هذا - مع أنّ مثله لا يذهب عليهم - دليل على أنّ الأمر بخلافه .
ليس لهم أن يقولوا : إنّما لم يقرّوا له بالفصاحة والتّقدم فيها للأنفة الّتي كانت طريقتهم وعادتهم ؛ لأنّهم إنّما يأنفون من الاعتراف بمثل ذلك في الموضع الّذي يقتضي الاعتراف به نقصا يلحقهم « 1 » ، وضررا يدخل عليهم ، وشهادة لخصمهم بما يعظّم أمره وينوّه باسمه .
وليس هذه حال الاعتراف بما ذكرناه في القرآن ؛ لأنّهم إذا اعترفوا بذلك ووافقوا عليه ، كان فيه تكذيب للمحتجّ عليهم ، وصرف الوجوه عنه ، وإزالة الشّبهة في أمره ، والخلاص ممّا ألزمهم الدّخول فيه .
فأيّ نقص وضرر يدخل بهذا الاعتراف ؟ وهل النّقص « 2 » الشّديد والضّرر الحقيقيّ إلّا في الإمساك عن المواقفة « 3 » والصّبر على المذلّة ؟
ولو كان يلحقهم بالاعتراف بعض العار لكان ما يثمره هذا الاعتراف من وجوه المنافع ويصرفه من « 4 » ضروب المضارّ وصنوف الصّغار « 5 » ، يوفي عليه ويلجئ إلى المبادرة إلى فعله .
هامش
( 1 ) في الأصل : بغصا ويلحقهم ، والمناسب ما أثبتناه .
( 2 ) في الأصل : وعلى البغض ، والظاهر ما أثبتناه .
( 3 ) في الأصل : الموافقة ، وما أثبتناه مناسب للسياق .
( 4 ) في الأصل : عن ، والمناسب ما أثبتناه .
( 5 ) الصّغار : الضّيم والذّل والهوان ، سمّي بذلك لأنّه يصغّر إلى الإنسان نفسه .