يتضمن ، مما يعتبر به التالي على جملة أو تفصيل ، لم يكن يحسن التعبد به ، فالكلام أبين ، على أن العلم بأنه صلّى اللّه عليه وسلم ، كان يظهر ويعتقد ، أن القرآن يقيد وأن له معاني ، مما يحصل باضطرار ، فمن صدق بالرسول ، ودفع ذلك ، يقرب من أن يكون كافرا ، ولا خلاف أيضا بين المسلمين ، أن القرآن يدل على الحلال والحرام ، والكتاب قد نطق بذلك ، لأنه تعالى قال :
« أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ »
« 1 » .
وقال تعالى
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
« 2 »
»
، وقال :
« ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 3 »
» .
وقال تعالى :
« وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً »
« 4 » وقال سبحانه :
« هُدىً لِلنَّاسِ »
، إلى غير ذلك مما بين به أنه يفيد ، فكيف يصح مع ذلك ما قالوه ! ! .
ويقول القاضي : ولقد بين شيوخنا ، أنه لو لم يكن له معنى ، كان لا يكون معجزا ، لأن اعجازه هو بما يحصل له من المزية والرتبة ، في قدر الفصاحة ، ولا يكون الكلام فصيحا إلا بحسن معناه ، وموقعه واستقامته كما لا يكون فصيحا إلا بجزالة لفظه ، ولو أن واحدا من المتكلمين ألف من الكلام المهمل . جملة ، وتكلم بها ، من غير مواضعة ، لم يعد من الكلام الفصيح ، كما لو كان في معناه ركاكة ، لم يعد منه ، وكما لو رك لفظة لم يعد في ذلك ، فكيف يصح لو أقر بأنه معجز ، أن يزعم أنه لا معنى له وأنه لا فائدة فيه ! .
ولما قدمناه كان الصحيح عندنا ، انه تعالى لا يجوز أن يخاطب الملائكة بالقرآن ، قبل انزاله على الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، إلا وهم يعرفون معناه ، ولهم فيه مصلحة ، ولم يجز أن تكون لا فائدة في تقديمه ، تكليفهم بحمل ذلك فقط .
ويقول القاضي : « إنه ليس لأحد أن يقول ، إذا جاز من الواحد منا ، أن يتكلم باللغة في بعض الحالات ، وإن لم يرد به معنى ، فجوزوا مثله ، في كلامه تعالى ! .
هامش
( 1 ) 51 ك العنكبوت 29 .
( 2 ) 82 م النساء 4
( 3 ) 38 ك الانعام 6
( 4 ) 89 ك النحل 16