تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
عنها استعدادا تامّا ، فكلّما تأمّلت منها قرب استعدادها لزوالها عنها ، فلهذا تزول وتنمحي شيئا فشيئا بحسب مراتب استعدادها لزوالها عنها ، فيلزم إذن أن يكون العقوبة التي بحسب حصول الهيئة الغريبة غير خالدة ، بل قد تزول وتنمحي قليلا قليلا بحسب انمحاء تلك الهيئة شيئا فشيئا . حتّى تزكو النفس عن تلك الهيئة وتصفو بمصفاة العقوبة وتنجلي بمصقل الألم والأذى ، وتبلغ حينئذ السعادة التي تخصّها من السعادة العلميّة إن كانت لها ، وكذا السعادة العمليّة الحاصلة لها بالنسبة إلى هيئة وملكة أخرى من ملكات التوسّط إن كانت أيضا لها . وهذا حال تلك الهيئة البدنيّة الغريبة إذا كانت ملكة راسخة . ومنه يعلم حالها ، إذا لم تكن راسخة أيضا ، فإنّها تزول بالطريق الأولى . وبالجملة ، فتلك الهيئات الردّية البدنيّة ، سواء كانت مستحكمة أو غير مستحكمة ، وكلّها إنّما تكون بسبب غواش غريبة ، فجميعها يمكن أن تزول بعد الموت ، إمّا لعدم رسوخها ، وإمّا لكونها هيئات مستفادة من الأفعال والأمزجة ، فتزول بزوالها . وإن كانت تختلف في شدة الرداءة وضعفها ، وفي سرعة الزوال وبطئه ، وفي كونها بالنسبة إلى كلّ الأعمال والأفعال أو بعضها ، ويختلف التعذّب بها بعد الموت في الكمّ والكيف بحسب ذلك الاختلاف . وبما ذكر يظهر سرّ ما ورد في الأخبار من أنّ المؤمن الفاسق لا يخلد في النار . ووجه ما اتّفق عليه أهل الحقّ من أنّ عذاب صاحب الكبيرة منقطع . ثمّ إنّ هذا الذي ذكر إنّما هو بيان حال فساد الجزء العمليّ والشقاوة بحسبه ، إذا كان ذلك بحسب طروء حالة رديّة غريبة على النفس ، بعد أن كانت في قوّتها القريبة تحصيل ملكة التوسّط ، ولم تحصّلها ، بل فرّطت وقصّرت في تحصيلها وحصّلت ملكة الإفراط والتفريط . ومنه يعلم بيان حاله ، إذا كان من جهة نقصان الغريزة أيضا بحسب الجزء العمليّ ، أي إذا كان عدم تحصيل ملكة التوسّط ، لا لأجل أنّها فرّطت فيها وقصّرت ، بل لأجل أنّه كانت غريزتها بحسب الجزء العمليّ ناقصة عن تحصيلها ، بعد أن كانت من شأنها إمكان تحصيلها في الجملة ولو بعيدا ، وأنّها بسبب ذلك النقصان في الغريزة ، كما لم تحصّل ملكة