تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وكذلك قد يتوهم أنّ الخلود في النار لا سبب له ، ودوام العقاب والعذاب واستزادتهما إلى ما لا نهاية له لا حكمة فيه ولا مصلحة ، فإنّ العذاب والعقاب لا يكون إلّا قسريّا ، والقسر لا يدوم على طبيعة ، فإنّ لكلّ موجود غاية لا بدّ أن يصل إليها وقتا ما ، مع أنّ الرحمة الإلهيّة وسعت كلّ شيء ، كما قال جلّ وعلا :
عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ) )
« 1 » ومع أنّ الباري جلّ ثناؤه كما أنّه لا ينفعه الطاعة ولا يضرّه المعصية ، كذلك لا يضرّه الثّواب ولا ينفعه العقاب ، ومع أنّ العقاب الدائميّ لا منفعة فيه لأحد ولا خير ، بل هو شرّ محض ، وهو لا يمكن أن يصدر عن الخير المحض والجواد المطلق والفيّاض على الإطلاق . وهذا التوهّم عند كثير ممّن يدّعون الكشف قد صار قويّا بحيث كان منشئا لعدولهم عن ظاهر الشّرع المبين ، النّاطق بخلود أهل النّار في النّار ودوام عذابهم وعقابهم . فقال بعضهم : إنّ الكفّار وإن كانوا خالدين في النّار ، إلّا أنّ عذابهم وعقابهم منقطع ، كما ينقل عن بعض المكاشفين « 2 » منهم أنّه قال : « يدخل أهل الدارين فيهما : السعداء بفضل اللّه وأهل النار بعدل اللّه وينزلون فيهما بالأعمال ، ويخلّدون فيهما بالنّيّات ، فيأخذ الألم جزاء العقوبة موازيا لمدّة العمر في الشّرك في الدنيا ، فإذا فرغ الأمد جعل لهم نعيم في الدار التي يخلدون فيها ، بحيث إنّهم لو دخلوا الجنّة تألّموا لعدم موافقة الطّبع الذي جبلوا عليه ، فهم يلتذّون بما هم فيه من نار وزمهرير وما فيها من لذع الحيّات والعقارب كما يلتذّ أهل الجنّة بالظلال والنّور ولثم الحسان من الحور ، لأنّ طباعهم يقتضي ذلك . ألا ترى الجعل على طبيعته يتضرّر بريح الورد ويلتذّ بالمنتن ، والمحرور من الإنسان يتألّم بريح المسك ، فاللذّات تابعة للملائم والآلام لفوته . وينقل عن بعضهم أنّه جعل ذلك العذاب مأخوذا من العذب ، أي العذاب من الطّعام والشّراب الذي معناه لغة كلّ مستساغ . وقال بعضهم بخروج أهل النّار عن النّار وانقطاع عذابهم جميعا ، كما ينقل عن
هامش
( 1 ) - الأعراف ( 7 ) : 156 . ( 2 ) - هو ابن العربيّ في الفتوحات ، وفصوص الحكم .
منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 276 | ملا نعيما العرفي الطالقاني