تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
لكنّهم في النبوّة أو في شيء من سائر الأصول على شكّ ، لا ينكرونه فيكونوا كافرين ، ولا يذعنوا له فيكونوا مؤمنين . إمّا بسبب شبهة عرضتهم ، كأكثر عوامّ المخالفين وضعفائهم . وإمّا لأنّ الدّعوة لم تبلغهم كقوم في أقاصي البلاد ، أو بلغتهم لكنّهم ليسوا من أولي الألباب المستقلّة في الهدى ، ولا يستطيعون الخروج إلى من يميّز لهم الحقّ من الرّدي ، كأكثر نسائهم وقصرائهم . فهؤلاء إن كانوا بحيث لو أزيل عنهم الشّبهة ووصلوا إلى الحقّ آمنوا به ، فهم ممّن يدركهم النجاة ويكونون مع المؤمنين ، وإن كانوا حينئذ جحدوا الحقّ وأنكروه ، فممّن تخلّد في السجن ، وهؤلاء من حيث إبهام مآلهم يلحقون بالمؤمنين ، ومن حيث ضعف أحوالهم بالمستضعفين . ويقرب من حال هؤلاء حال كثير من أهل الكفر والضّلال أيضا ، الذين وإن كانوا بالفعل منكرين ، إلّا أنّ ذلك ليس بعناد لهم وجحود في قلوبهم ، بل إنّما هو لاقتدائهم بقومهم وآبائهم والتباس الحقّ عليهم ، وضعفهم أو ضعف عقولهم من الاجتهاد في بلوغه ، فأمرهم أيضا موقوف حتّى يميّز اللّه الخبيث من الطيّب . وإن تساوت حسناتهم وسيّئاتهم فهم أصحاب الأعراف ، وهو السّور الذي بين الجنّة والنار ، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، فأوّلا يترجّح لهم أحد الطرفين فلا محالة يترجّحون في الحدّ المشترك بينهما حتّى إن حصل لأحدهما رجحان من عفو وشفاعة أو سخط أو براءة يلحقون بأهله . وأمّا غير المكلّفين المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فهؤلاء أيضا إن كانوا بحيث لو قوّوا وبلغوا التكليف آمنوا وأطاعوا ، فلهم في عالم البرزخ المتوسّط بين هذه النشأة الدنيا الخسيسة والنشأة العليا العقليّة ترقّيات في العقل والفهم كترقّي الصبيان في ذلك بحسب ترقّيهم في أبدانهم ونموّ أجسامهم يوما فيوما ، وإن لم يبلغوا بعد حدّ عقول الرجال واكتساب العلوم ، حتّى إذا كانت القيامة ، وامتاز الأخيار من الأشرار ، التحقوا في الجنّة بعشيرتهم وآبائهم من الأبرار ، وإن لم يكونوا يؤمنون بعد ذلك أيضا ، فيلحقون لا محالة بأشباههم وإن لم يشاركوهم في عذابهم .