تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
بالأبيض والإحساس بالأسود ، وإدراك الحلو وإدراك المرّ . وقد تختلف بالنسبة إلى أمور متغايرة بالذات ، بل متباينة كإدراك الصّورة وإدراك المعنى ، وكإدراك المعنى الجزئيّ وإدراك المعنى الكلّيّ . وقد تختلف بالحسّ مثل إدراك اللّون وإدراك الطّعم . وقد تختلف بالذّات مثل الإدراك والتحريك ، ومثل الشهوة والغضب . وقد تختلف مع بعض هذه الاختلافات بالتقدّم والتأخّر أيضا ، كالأفعال النّباتيّة والحيوانيّة والإنسانيّة ، كما قالوا من أنّ المنيّ في الرّحم يكون له أوّلا الأفعال النباتيّة ، ثمّ الحيوانيّة ، ثمّ الإنسانيّة . وقد تختلف مع ذلك بالاختلاف في الموضوع أيضا ، كهذه الأفعال أيضا ، فإنّ النباتيّة قد توجد في النبات دون الحيوانيّة ، وكذلك الحيوانيّة قد توجد في الحيوان دون الإنسانيّة ، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف التي تعلم بالتّتبع . والذي يقتضيه التدبّر في كلام الحكماء ، وفي دليلهم على إثبات القوى الخاصّة والمشتركة ، أنّ الأفعال المختلفة بالشدّة والضّعف ، أو بالسرعة والبطء ، فإنّ مبدأها قوّة واحدة ، لكنّها تكون تارة أتمّ فعلا وتارة تكون أنقض فعلا ، إذ لو اقتضى ذلك قوى متعدّدة متغايرة ، وأن يكون للأنقص قوّة غير القوّة التي للأتمّ ، لوجب أن يكون عدد القوى بحسب عدد مراتب النقصان والزيادة التي تكاد لا تتناهى . كما أنّه لو كان اختلاف الأفعال بحسب التشخّصات التي لا تكاد تنتهي إلى حدّ يوجب اختلاف القوى وتغايرها ، لوجب أن يكون عدد القوى بحسب ذلك غير متناه ، بل القوّة الواحدة يعرض لها أن تفعل الفعل أشدّ أو أضعف أو أسرع أو ابطأ بحسب الاختيار ، أو بحسب مواتاة الآلة ، أو بحسب عوائق من خارج أن يكون وأن لا يكون ، أو أن يقلّ أو أن يكثر . كما أنّه يعرض للقوّة الواحدة اعتبارات وتشخّصات متعدّدة مع كون ذاتها واحدة . وكذلك الأفعال المختلفة بالعدم والملكة ، فمبدؤها قوّة واحدة يعرض لها تارة أن تفعل ، وتارة أن لا تفعل ، مع كون شأنها أن تفعل لولا العائق عنه . وأيضا كلّ قوّة من حيث هي قوّة أوّلا وبالذات على فعل من الأفعال التي تقتضي قوى خاصّة ، وإن كانت قوّة على ذلك الفعل الذي تخصّه ، ويستحيل أن يكون مبدأ لفعل