تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
النظريّ والعقل العمليّ فعلان مختلفان ، ومع هذا فمراتب كلّ واحد منهما مختلفة ، وأصولها الكلّيّة أربع ، كما سيجيء بيانه ، والمفروض أنّها أجمع صادرة عن تلك الذّات الواحدة . فلو لم يكن هناك ما به الاختلاف أيضا لم يمكن أن تصدر هي عنها بنفسها ، حيث إنّها واحدة بسيطة ، فيجب أن يكون هناك أيضا ما به الاختلاف ، وما هو إلّا القوى المتخالفة . فإن قلت : إنّا لا نسلّم أن ليس هناك ما به الاختلاف سوى القوى المتخالفة ، فإنّه يمكن أن يكون هناك جهات واعتبارات بها تصدر عن تلك الذّات الواحدة تلك الأفاعيل المختلفة ، من غير أن يكون هناك قوى متخالفة بتوسّطها تصدر هي عنها . وبعبارة أخرى : إمّا أن تكون هناك جهات واعتبارات مختلفة ، أو لا تكون . فعلى الأوّل ، فتلك الجهات المختلفة أنفسها يمكن أن تكون كافية في صدور تلك الأفاعيل المختلفة عن تلك الذّات الواحدة من غير احتياج إلى القوى المتخالفة ، وإلى توسّطها في ذلك . وعلى الثّاني فلا يمكن أيضا أن تفيض تلك القوى المتخالفة عن تلك الذّات الواحدة ، كما هو مذهب الشيخ في ذلك ، أو أن تفيض عليها من المبدأ الفيّاض كما هو الاحتمال ، وسنشير إلى وجهه ، لأنّ القوى المتخالفة أيضا حيث كانت أمورا مختلفة إنّما تفيض عن تلك الذّات الواحدة أو عليها إذا كانت هناك جهات واعتبارات مختلفة ، بناء على ما هو المقرّر عندهم من أنّ الذات الواحدة البسيطة لا تفيض عنها ولا عليها من جهة واحدة إلّا أمر واحد . وبعبارة أخرى إنّهم ذكروا أنّ النّفس الإنسانيّة جوهر واحد وله نسبة وقياس إلى جنبتين ، جنبة هي تحته وهي البدن ، وجنبة هي فوقه وهي المبادي العالية ، وله بحسب كلّ جنبة وكلّ نسبة قوّة ، وأنّ له بحسب النسبة إلى ما فوقه القوّة النظريّة ، وبحسب النسبة إلى ما تحته القوّة العمليّة ، وكذلك له بحسب كلّ نسبة من تينك النسبتين ، نسب مختلفة إلى مدركاتها وأفعالها ، وبتلك النسب المختلفة يكون له مراتب القوى النظريّة والعمليّة ، كما سيأتي بيان ذلك مفصّلا فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . وحينئذ نقول : إذا كانت هناك تلك النسب المختلفة والجهات المتغايرة ، فلم لا يجوز