تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
مطلقا ، وحينئذ فتدلّ الدّلائل المذكورة على تجرّد النّفس الإنسانيّة التي هي في مرتبة العقل بالفعل أو المستفاد ، لا فيها في المرتبتين الأخيرتين المتقدّمتين . ولو سلّم أنّ النّفس في مرتبة العقل بالملكة أيضا لا تخلو عن إدراك بالفعل للمعقولات ، وإن كانت من البديهيّات الأوّليّات كقولنا : الكلّ أعظم من الجزء ، والواحد نصف الاثنين مثلا ، فلا سترة في أنّها في مرتبة العقل الهيولانيّ تخلو عن ذلك أيضا ، فالدّلائل المذكورة لا تدلّ على تجرّدها إذا كانت في مرتبة العقل الهيولانيّ ، والحال أنّ المقصود تجرّد النّفس الإنسانيّة مطلقا سواء كانت في المرتبة الهيولانيّة أو فيما بعدها من المراتب ، كما عقدتم عنوان الباب به . وهذا لا يتمّ بهذه الدلائل . ولذلك كان الحكماء القائلون بتجرّد النّفس الإنسانيّة الذين بنوا على تجرّدها بقاءها بعد خراب البدن ، متّفقين على بقاء النّفوس التي صارت عقولها الهيولانيّة عقلا بالفعل بعد خراب البدن ، ومختلفين في بقاء النّفوس التي لم تخرج من القوّة إلى الفعل . فذهب بعضهم كالإسكندر الافريدوسي « 1 » إلى أنّها تهلك بهلاك البدن ، لأنّ دلائل تجرّد النّفس وخصوصا التي تبتني على تصوّر المعقولات ، إنّما تنهض في المعقولات بالفعل والمجرّدات بالفعل ، لا التي من شأنها التّجريد ، وليس لكلّ أحد أن يدرك معقولا من جهة عقليّة من غير أن يشوب بالحسّ أو الخيال . وقد نقل صدر الأفاضل عن الشيخ أنّه خالف رأي الإسكندر في أكثر تصانيفه ، محتجّا بأنّ الإنسان لا يخلو عن إدراك بعض الأوّليّات ، كالواحد نصف الاثنين ، والكلّ أعظم من الجزء ، ووافق رأيه في بعض تصانيفه . وهذا الذي ذكرنا إنّما هو بيان السؤال . وأمّا بيان الجواب عنه ، فهو أنّ مبنى تماميّة الدّليل على تجرّد النّفوس الإنسانيّة ، حتّى النّفوس التي في مرتبة العقل الهيولانيّ ، على أنّ النّفس الإنسانيّة التي لكلّ إنسان
هامش
( 1 ) - الملل والنحل 2 / 433 ، طبع القاهرة ، 1367 ه . قال : وأومأ ( أي الإسكندر الافريدوسي ) إلى أنّه لا يبقى للنفس بعد مفارقتها ( للبدن ) قوّة أصلا ، حتّى القوّة العقليّة .