عودة الأرواح إلى الأجسام وما ماثل ذلك من مباحث ، ولا يهتمّون بالآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة . ولم يفهموا أنّ الهويّة الإنسانيّة والحقيقة البشريّة لا تنعدم ، وأنّ الإنسان يلتحق بملكوت الوجود بعد الموت .
إنّ أجهل النّاس وأضلّهم عن صراط الحقّ هم الّذين لا يعتقدون بجهة التّجرّد والبقاء في الإنسان ، ولا بتحقّق وجود البرزخ بعد الموت ، ولا بعالم المثال وعالم العقل .
هذا الضّرب من الأقوال ينسب إلى كافّة علماء العامّة وبعض الخاصّة من المحدّثين الّذين لا يمتلكون اطّلاعا كافيا حول الكلام التّحقيقيّ والعلم الإلهيّ .
تنبيه
تنقسم المسائل المرتبطة بالمعاد إلى قسمين :
في قسم من هذه المسائل ، يستطيع العقل المنوّر بنور الإيمان - في المباحث المتعلّقة بمعرفة النّفس وكيفية ظهور الإنسان في هذه النّشأة من الوجود ، وفي الإلهيّات المتكفّلة بكثير من الحقائق - أن يبلغ نقطة معيّنة عن طريق الحضور في مجلس الأساتذة الكبار ، وعبر تجريد الذّهن ، والدّراسات الدّقيقة في مرحلة الدّراسة .
إنّ فترة الشّباب وربيع الحياة فترة تكون فيها القوى الدّماغيّة للإنسان ، وبالنتيجة نفسه ، على استعداد تامّ لاستيعاب المسائل العلميّة ، وتستطيع أن تدرك كثيرا من المباحث العالية ، وأخيرا فإنّ طريق الفهم مفتوح ، والمحجّة واضحة .
القسم الآخر من المسائل والمباحث المرتبطة بمعرفة النّفس في مستوى يعجز العقل البشريّ عن إدراكها وإن كانت له قوّة إدراك قليلة المثيل ، وهو أعجميّ في هذا المجال .
وأخيرا فانّه في هذه المسائل العويصة ، يتعثّر في الأوّليّات المرتبطة بالآخرة . بعامّة ، إنّ إدراك مباحث ما وراء الطّبيعة صعب المنال ، بيد أنّه سهل المنال في المباحث المتعلّقة بالآخرة .
لم يتجاوز ما كتبه الرّئيس ابن سينا « 1 » عظّم اللّه قدره في المعاد عدّة صفحات ، فكيف بالآخرين ؟ أمّا في الشّئون العامّة وسائر المباحث فقد وفّى الكلام حقّه . ولا يدرك ما بعد
هامش
( 1 ) - ما زال الرّئيس ابن سينا حيّا بعد ألف سنة ومطالبه الحيّة الخاصّة ليست قليلة في آثاره .