دفع إيراد عن المحقّق الطوسي رحمه اللّه
من أنّ ما أورده هو نفسه على الإمام من الإلزام بتفويض أحد الفاعلين الطبيعيّين تدبيره إلى آخر ، وارد عليه أيضا في تفويض نفس الأبوين حفظ المزاج إلى الصورة المنويّة التي هي من قوى النفس المولود .
وبيان الدفع أنّ فعل نفس الأبوين إنّما هو أصل الجمع وحفظ الأجزاء إلى أن يحصل المزاج ، وفعل الصورة المنويّة إبقاء المزاج وحفظه بعد ذلك ، والفعلان متغايران ، فلم يفوّض نفس الأبوين فعلها الخاصّ بها إلى الصورة المنويّة ، بل انقطع فعلها وحدث فعل آخر من فاعل آخر حدث . وهذا بخلاف ما قاله الإمام حيث إنّه قال : إنّ تدبير المزاج من حيث الوجود والبقاء جميعا كان في عهدة نفس الامّ ، ثمّ فوّضته إلى الناطقة ، ففوّضت فعلها الخاصّ بها إليها ، فتبصّر .
الأمر الثاني
ومن تلك الأمور التي ينبغي التنبيه عليها ، أنّ أوّل كلام المحقّق الطوسي رحمه اللّه في تحقيقه ، وإن كان يوهم أنّ النفس النباتيّة والحيوانيّة والناطقة نفوس متغايرة وذوات مختلفة بالماهيّة متفاضلة في الكمال ، كما هو رأي بعضهم ، لكنّ التمثيل الذي ذكره لتلك القوى والنفوس في أحوالها من مبدأ حدوثها إلى استكمالها ، وكذا قوله أخيرا : « فجميع هذه القوى كشيء واحد متوجّه من حدّ ما من النقص إلى حدّ ما من الكمال ، واسم النفس واقع منها على الثلاث الأخيرة ، فهي على اختلاف مراتبها نفس لبدن المولود » يدلّ على أنّ هذه النفوس ، بل الصورة الحافظة لمزاج المنيّ أيضا التي هي كالصورة المعدنيّة كلّها بحسب الذات ، والحقيقة شيء واحد يتزايد كمالاته بحسب استعدادات يكتسبها في مراتبه . وهو في تلك المراتب باق بحسب الذات من غير فساد أمر من ذاته ولا تكوّن أمر في ذاته وله قوى متعدّدة مختلفة بسببها يصير أفعال تلك الذات الواحدة متغايرة مختلفة ، كما هو رأي جمهور الحكماء ، وهو الحقّ - كما سيأتي تحقيقه - وكأنّه لأجل ملاحظة وحدتها بالذات وتعدّدها بحسب الأفعال والآثار قال : إنّها كشيء واحد ولم يقل إنّها شيء واحد .