تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
وذلك لأنّ ما يعجز عن مثل جميعه وعمّا يقاربه وعن مثل بعضه وعمّا يقاربه جميع أهل الصناعة لا شبهة في أنّه يكون ناقضا لعادتهم . الا ترى أن نجّارا لو عمل سريرا أو بابا أو غيرهما ممّا يكون من عمل النجّارين لكان ذلك ناقضا لعادتهم بلا إشكال ، إذ لا معنى لكونه ناقضا لعادتهم إلّا هذا ، وهو أنّه من قبيل صناعتهم ومن جنس ما يتعاطونه ومن نوع ما ألفوه ، إلّا أنّهم يعجزون عن مثله وعمّا يقاربه وعن مثل بعضه وعمّا يقاربه ، فهو خارج عمّا اعتادوه . فإن قيل : بيّنوا أنّ هذا الخارق للعادة الذي ظهر عليه - عليه السلام - كان من جهته تعالى حتى يمكنكم الاستدلال به على صدقه في دعواه ، لأنّه لو كان من جهة غير تعالى لم يدلّ على صدقه ، وأنتم لا تعلمون أنّ القرآن كلامه تعالى ومن جهته إلّا بقوله عليه السلام ، وصدق قوله إنّما تعلمونه بالقرآن ، إذ تستدلّون بالقرآن عليه فعلى هذا يصير استدلالكم هذا دورا واستدلالا بكلّ واحد منهما على صاحبه وراجعا إلى الاستدلال بالشيء على نفسه . قلنا : إذا ثبت بما بيّناه أنّ تعذّر المعارضة كان خارقا للعادة ، أي ظهور القرآن عليه على وجه تعذّر عليهم معارضته ، فبيان أنّ الخارق للعادة في ذلك من جهته تعالى هو أنّه لا يخلو حال القرآن من أحد أمرين ، إمّا أن يكون خارقا للعادة بفصاحته فلذلك تعذّر عليهم معارضته أو لا يكون خارقا للعادة بالفصاحة وإنّما تعذّر عليهم معارضته ، لأنّه تعالى صرفهم عنها . إن كان القسم الأوّل لم يخل من أن يكون القرآن نفسه من فعله تعالى ، فلا يبقى شكّ في أنّ الخارق للعادة من جهته تعالى ، أو يكون من فعله عليه السلام . فهو لم يتمكّن من مثل تلك الفصاحة إلّا لأنّه تعالى قد خصّه بالعلوم التي تمكّن بها منه ، فيكون تخصيصه بتلك العلوم من جهته تعالى ، ويكون القرآن على هذا التقدير كأنّه من جهته تعالى ، فيدلّ على صدقه . وإن كان القسم الثاني وهو صرف العرب عن المعارضة فلا شكّ في أن ذلك من جهته تعالى .