أمّا الديني فغير متصوّر ، لأنّهم ما كانوا يتديّنون بفرض « 1 » طاعة وترك معارضة ، بل كانوا معتقدين لضدّ ذلك أو نقيضه .
وأمّا الدنياويّ فهو الرغبة أو الرهبة بأن يقال : كانوا يرهبونه ويخافون جانبه إن عارضوه أو يرغبون في ترك معارضته ، لاعتقادهم أنّهم يصلون بسبب ذلك الترك إلى نفع عظيم في الدنيا عاجل أو آجل .
ومعلوم أنّهم ما كانوا يرهبونه خاصّة في مدّة مقامه بمكة ، بل كان هو عليه السلام الخائف منهم في تلك المدّة ، وبعد هجرته - عليه السلام - من مكّة أيضا ما كانوا خائفين منه في بلادهم في غالب أحوالهم .
وأمّا الرغبة ، فظاهر أيضا أنها كانت من جهتهم في المعارضة لا في تركها ، إذ بها كانوا يتوسّلون إلى أغراضهم ومقاصدهم من إبطال أمره وتوهين شأنه لا بتركها ، وهذا ممّا لا يخفى على عوامّ الناس ، بل ولا على صبيانهم . الا ترى أنّ صبيّا لو قال : أنا أشيل هذا الحجر أو أطفر هذا الجدول وأنت لا تقدر على ذلك لكانت رغبة ذلك الصبيّ الآخر في إشالة ذلك الحجر أو طفر ذلك الجدول ، لا في ترك ذلك ، لعلمه بأنّ دعواه إنّما تبطل بإشالة الحجر أو طفر الجدول .
فإن قيل : فلعلّهم لم يحتفلوا به أو بالقرآن ، لقصوره في الفصاحة عندهم فكان هذا هو الذي صرفهم عن المعارضة .
قلنا : المعلوم خلاف ما ذكر في السؤال . كيف يقال لم يحتفلوا به ؟ مع علمهم بأنّه من أجلّ قبائلهم وأرأس عشائرهم ومع شهرته عليه السلام عندهم بالسداد والأمانة حتّى لقبوه ب « بالأمين » وكيف يقال : لم يحتفلوا بالقرآن لقصوره عندهم في الفصاحة ، وقد بلغ من إعجابهم بالقرآن أن شبّهوه بالسحر وقد قالوا فيه :
« إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ »
« 2 » و
« إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ »
« 3 »
هامش
( 1 ) م : بغرض .
( 2 ) ص : 7 .
( 3 ) الانعام : 25 ، المؤمنون : 83 .