وسماعها نداء الملائكة وبشارتها بعيسى عليه السلام ، وكحصول الرزق عندها في كلّ وقت من عند اللّه من دون واسطة بشر .
ولا يمكن أن يقال : إنّ ذلك كان لأجل زكريّا ، وهو نبيّ . وذلك لأنّه لو كان ذلك لأجل زكريّا لما قال لها :
« أَنَّى لَكِ هذا »
« 1 » إذا النبيّ الذي يظهر عليه المعجز يكون أعلم بحاله من غيره ، ولأنّه تعالى قال :
« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ »
« 2 » وظاهر هذا الخطاب يقتضي تعظيمها وتشريفها دون غيرها .
فهذه الأمور إن ظهرت على مريم عليها السلام إكراما من اللّه تعالى لها ودلالة على عصمتها وطهارتها ممّا رمتها به اليهود وتصديقا لادّعائها الطهارة حالا أو مقالا ، كان فيها بطلان القول بأنّه لا يجوز ظهور المعجز على غير النبيّ وإن كان إرهاصا لنبوّة ابنها عيسى - عليه السلام - كان فيها أيضا بطلان القول بأنّه لا يجوز إظهار المعجز إرهاصا لنبوّة من سيبعث .
ومن جيّد ما يقال لهم : إنّه ان صحّ وسلم قولهم : إنّ المعجز دليل النبوّة صار قولهم بطريق الإبانة ضائعا غير محتاج إليه ، لأنّه إذا كان دليل النبوّة وجب ثبوت مدلوله أينما ثبت لوجوب الاطراد في الأدلّة كانت دلالتها بطريق الإبانة أو بغير طريق الإبانة . وإذا كان كذلك وجب ثبوت النبوّة في كلّ من ظهر عليه المعجز ، فلم يجز ظهوره على غير النبيّ .
فتحقّق أنّ قولهم بطريق الإبانة لغو ضائع في البين وإذا اقتصروا على القول بأنه دليل النبوّة فيجب اطّراده .
قلنا لهم : هذا القول دعوى منكم غير مسلّمة ، لم قلتم إنّه دليل النبوّة تعينيا ؟
هامش
( 1 ) آل عمران : 37 .
( 2 ) آل عمران : 42 .