قلنا : قد سبق ما هو جواب عن هذا السؤال ، وهو أنّ المعجز إنما يدلّ بطريق المطابقة على صدق الدعوى التي بطابقها . فأمّا دلالتها على النبوّة فانّما هي بطريق التضمّن وبيانه ما ذكرناه ، من أنّه يدلّ على صدق المدّعي للنبوّة في دعواه . ولمّا كان دعواه النبوّة تضمّن صدقه في تلك الدعوى نبوّته ، فكان دلالته على النبوّة بالتضمّن لا بالمطابقة ، وإنّما دلالته بطريق المطابقة على صدق الدعوى التي تطابقها .
فثبت وتقرّر بما ذكرناه جواز ظهور المعجز على غير الأنبياء ممّا ذكرناهم فأمّا تسميته بأنّه معجز فصحيحة أيضا ، إذ معنى المعجز ثابت فيه ولم يرد سمع بالمنع منه ، فيجب أن تكون صحيحة ، فمن لم يرد تسميته بأنّه معجز فذلك إليه فقل لا تسمّه بذلك ، إذ لا طائل في المشاحّة في العبارات مع سلامه المعاني .
وقد تعلّق المانعون من ذلك بوجوه :
منها : أن قالوا : لو جاز ظهوره على الصالح ، لجاز ظهوره على كلّ صالح فيكثر حتّى يخرج من كونه خارقا للعادة .
والجواب عنه أن نقول : نحن إنما نجوّز ظهوره عليه بشرط أن لا يكثر ، كما نجوّز ظهوره بالاتفاق على نبيّ بعد نبيّ بهذا الشرط .
ومنها : أنّ ظهوره على غير النبيّ ينفّر عن النبيّ ، لأنّ المعجز هو الذي يجرّهم به إلى طاعته ، فمتى ظهر على من لا تجب طاعته ، هان موقعه الا ترى أنّ الرئيس لو قام لكلّ داخل عليه من وضيع وشريف ، لهان موقع قيامه عند الناس .
والجواب عن ذلك أن نقول : لا يهون موقعه بظهور المعجز على الصالح ، كما لا يهون بظهوره على نبيّ اخر .
فإن قالوا : النبيّ الآخر مشارك للاوّل ، في وجوب الطاعة له ، وليس كذلك الصالح .
قلنا : الصالح أيضا تجب طاعته ، لأنّه يدعو إلى دين النبيّ وشرعه ويقوّي
المنقذ من التقليد — صفحة 403
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٤٠٣