فقد تصبح الصيغة شهادة الشاة المسمومة . وقد تتحول الواقعة إلى قصة بها حوار مباشر مع تعليل لسبب الحديث وهو خلق الله في الذراع كلاما وقول الذراع للرسول « لا تأكلني انى مسمومة » . وقد تنقل بعد صيغ ظواهر الجماد مثل تسبيح الحصى فتصبح تسبيح الطعام من أجل تقابل بين الطعام المسموم والطعام الطيب . الأول ينبه على الشر والثاني يسبح بالخير . وإذا ما عرفنا أن الدعوة كانت موجهة من يهودي فان هذه الواقعة بصيغتها المختلفة انما تدل على العناية بالنبي وحفظه من عداء اليهود له . أما الواقعة الثانية تكثير الطعام فلها صياغات عدة تختلف فيما بينها من البداية أو الوسط أو النهاية . فقد تكون البداية مجرد وصف لواقعة مادية وأنها حادثة مثل جعل الطعام كثيرا .
وقد يقرب الواقعة درجة من الخيال فتصبح تكثير الطعام القليل . وقد يزاد عليها العلة الفاعلة فتصبح تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه .
وقد تزاد الدلالة وتتحول من الواقعة المادية إلى الواقعة الانسانية وتتحول البداية من الجعل والتكثير إلى الاطعام والاشباع . فتصبح الصيغة اطعام الرسول الماءين والعشرات من صاع شعيرة مرة بعد مرة مع زيادة تحديد كمي للطعام ولعدد الناس ولمدة الزمان تقوية للدلالة وإثارة للانتباه . وكذلك اطعامه النفر الكثير من طعام يسير قرارا بحضرة المجموع حتى يزاد الشهود ، وتتحول الواقعة من ادراك فردى قد يقع في خداع الحواس إلى ادراك جماعي ورؤية موضوعية . وتصل الدلالة إلى أقصاها عندما تصبح الصيغة اشباع الخلق الكثير من الطعام القليل أو اشباع الخلق الكثير من الطعام اليسر . وربما تزداد الصيغة وتتضخم على نحو انشائى بالترادف لاحداث مزيد من الأثر على الناس فتصبح اشباع العدد الكبير والجم الغفير من الطعام اليسير . وللواقعة نمط قديم في تاريخ الأديان في تكثير المسيح للطعام ، واطعامه الخلق الكثير من طعام قليل وشرب الخلق الكثير من الماء القليل ببركته ودعائه مع تحديد كمي للطعام بسمكتين وللشراب بقربتين ، وفاض من الطعام والماء ما يكفى لخلق أكثر . ومما لا شك فيه أن حضور جمع غفير بحضرة القائد أو الزعيم يجعل أحوالهم النفسية في غاية التواتر وعواطفهم في غاية الحدة بحيث يفقدون الاحساس بالجوع والشبع والعطش والروى
من العقيدة إلى الثورة — صفحة 176
مساهمون: حسن حنفي
ص١٧٦