تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من العقيدة إلى الثورة — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
الرزق إلى ما يحدث ابتداء من الله بالإرث وما يحدث كسبا من العبد فإنه يجعل القسم الأعظم من الرزق خارج التساؤل لأنه هبة للوارث من الله أو من الأب . أما القسم الثاني وهو الأقل فإنه متروك للتوكل . فما لم تقض عليه الأشعرية قضى عليه التصوف . فالطلب والجهد والكسب والعمل قبيح لأنه ضد التوكل ولأنه قد يوقع في الخطأ وفي ظلم الناس . فالأولى اذن عدم الطلب والكسب « 655 » . والحقيقة أن الرزق الأول لم يأت عن طريق الجهد والكسب ، والإرث احتمال قد يقع وقد لا يقع بدليل الصياغة الشرطية له في أصل الوحي . كما أنه في الأوضاع القائمة وحاجة الأمة إلى الاستثمار يصعب ترك مال دون استثمار . وإذا كانت الأنبياء قدوة فإنها لا ترث ولا تورث « 656 » . لذلك قامت الحركات الاصلاحية الحديثة بنقد التوكل في التصوف دون أن تذهب إلى جذوره في العقيدة في علم أصول الدين . وفي أصل الوحي صحيح أن الرزق فعل الله كحق نظري وكنتيجة للخلق الا أنه مشروط « بلو » التي تعبر عن الاستحالة . كما أنه مشروط بالهجرة والجهاد والتقوى والايمان والعمل الصالح والمغفرة ، هدفه الشكر وليس الاغتناء عن طريق الاغتصاب وأكل المال
هامش
( 655 ) ينقسم الرزق إلى : أ - ما يحصل من جهة الله ابتداء ، وهو ما يصل إلينا بطريق الارشاد ب - ما يحصل بالطلب ، بالتجارات والزراعات وغير ذلك وينقسم إلى : 1 - ما يلحق بتركه ضرر فإنه يجب الاشتغال به 2 - ما لا يلحق بتركه ضرر فإنه يجوز الاشتغال به . ان جماعة من المتآكلة الذين سموا أنفسهم المتوكلة خالفوا هذه الجملة وذهبوا إلى أن الطلب قبيح . واحتجوا بوجهين : أ - أن الطلب يضاد التوكل وينافيه ويمنع منه فيجب القضاء بقبحه ب - أن الطالب لا يأمن فيما يجمعه ويتعب فيه نفسه أن تغضبه الظلمة فيكون في الحكم كأنه أعانهم على الظلم وذلك قبيح . وهذا الّذي ذكروه بخلاف ما في العقول . التوكل طلب القوت ، التوكل أن تغدوا الطير وتروح في طلب المعيشة . كما تقرر في العقل حسن التجارات والفلاحات ( أين الصناعات ؟ ) طلبا للأرباح ( الاقتصاد القائم على الربح ) . ان التاجر انما يتجر لربح على درهم درهما أو أقل عن ذلك أو أكثر لا يغتصبه السلطان وكذلك الزارع . إعانة الظالم لا تثبت الا مع الإرادة وليس مجرد الفلاحة أو التجارة ، الشرح ص 786 - 787 . ( 656 ) أنظر مقالنا « الايديولوجية والدين » ، قضايا معاصرة ج 1 ص 128 - 146 .
من العقيدة إلى الثورة — صفحة 359 | حسن حنفي