أنه كان لا يمنع من ذلك ، بل كان يجيز لمن يخالفه في المذهب أن يحكم ويفتى ، ويوليه الأمور ، وكان يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد ، وتختلف مذاهبه على ما ظهرت الرواية به .
وكل ذلك يبين فساد هذا الجنس من التعليل .
شبهة أخرى لهم
وربما قالوا : لا بد في صحة ثبات التكليف / على المكلفين في كل زمان إلى أن يعرفوا ما اتضح لهم مما يتصل بمصالح أبدانهم ومعاشهم ومكاسبهم ، والأمور كلها على الخطر ؛ لكونها ملكا له تعالى .
فلا يعلم المباح منها إلا سمعا . فلا بد من حجة في كل زمان ، يعرف المكلفين « 1 » ما يحل لهم من هذه الأمور ، ولا بد من كونه معصوما يؤمن غلطه ، وفي ذلك صحة ما يقوله .
وهذا مبنى على أصل قد بينا فساده ؛ لأنا قد دللنا من قبل على أن ما لهم فيه نفع ، ولا مضرة عليهم فيه ولا غيره معلوم أو مظنون بأمارة ، فمباح له الإقدام عليه عقلا ، وأن ذلك يغنى عن سمع ، وفي ذلك إسقاط ما أوردوه .
على أنه يقال لهم : على تسليم ذلك : يجب أن لا يوجبوا الحجة في كل زمان ، وأن يحكموا بجواز الاستغناء عنه ، إذا كان الرسول المتقدم قد بين ذلك ، ونقل عنه بالتواتر ، وما يجرى مجراه من الأدلة . فمن أين أنه لا بد من حجة في كل زمان ؟
وأنه لا بد بعد رسولنا من إمام ؟
فإن طعنوا في التواتر بينّا فساد طعنهم بما تقدم ذكره في بابه ، وبما سنذكره ،
هامش
( 1 ) في الأصل ( المكلفون ) وهو ممكن إذا قدرنا إلى جانبه ( به ) ولكنا لما جربنا على الناسخ عدم تجرى قواعد اللغة ، فضلنا أن نغير في إعراب كلمة على أن نضيف إلى الأصل كلمة .