على وجوبها لهذه الشرائط ، لأن العقل إنما يقتضي الخضوع فقط ، ولا يقتضي الخضوع بهذين الفعلين على ما اختصا به من الشرائط « 1 » .
فكذلك لو ثبت ما قالوه من نصب رئيس في العقل لما دل على ما قالوه ؛ لأنه لم يثبت نصبه على الصفة التي ذكروها ، فلا بد من رجوعهم في ذلك إلى دليل سواه .
فأما قولهم : إن العقلاء يعقلون ذلك .
فقد يعقلون ما هو واجب وما ليس بواجب ، فمن أين أنه واجب ؟ وقد يعقلون ما يحسن وما لا يحسن ، فمن أين أنه حسن ؟ وقد يعقلون ما يشتركون في معرفته ، وسببه ، وما يفترقون فيه ، فمن أين أن جميعهم قد وقفوا على سبب وجوبه ؟
وهذا يبين أن فعلهم ليس بحجة إلا إذا كان واقعا عن معرفة ، وقد بينا ما يتصل بالمعرفة ، وأنه لا يمكن إثباتها في العقول باضطرار ولا باكتساب ، فكيف تعلقتم باتفاقهم لو كان ذلك ثابتا ؟ فكيف وليس بثابت ؛ لأن العقلاء مختلفون ، فمنهم من ينصب رئيسا ، ومنهم من يقول : لا ، على ما نعلمه من حال جميعهم في بذل النصفة من أنفسهم . ومنهم من يبطل الرئيس ويعزله ، ويعود إلى طريقته الأولى لظنه أن ذلك أصلح ، ويلزمه في العقل بيان ما قدمناه من أن يقال إن ذلك يتبع اختيارهم ، دون النص ، إلى سائر ما قدمناه .
فكل ذلك لا يرجع علينا في النبوات ، لأنا لا نقول بوجوبها ، ولأن الرسول إنما يجب كونه معصوما من حيث صار مبيّنا معرّفا ، ولولا العصمة لم تقع البعثة من جهته .
ولو أنا رجعنا في إثبات النبوة إلى مثل طريقتهم ، للزمنا ما ألزمناهم ، لأن
هامش
( 1 ) لم يصرح بالطرف الآخر في المقارنة ، ولو أضفنا كلمة « بينهم » بعد كلمة « فرق » لتمت المقارنة ، على أن في قوله « فكذلك . . . الخ » ما يشير إلى الطرف المضمر .