فإن قالوا : إنما يتم ما ذكرتموه متى سلم أن مثله قد يحسن ، فبينوا ذلك ليتم ما ذكرتم ؛ لأنا نقول لكم : ما أنكرتم أنه يقبح ، لأنه ضد ما وقع عليه البيان والإفادة ، فإذا كان تعالى إنما أنزل القرآن بيانا للناس ، وهدى لهم ، فكيف يصح أن يودعه المتشابه الّذي ليس ببيان ، بل يحتاج إلى بيان !
ونقول لكم : إذا كان تعالى لو خاطب العرب بالفارسية لكان قبيحا ، من حيث لا يصح التوصل بظاهره إلى المراد ؛ فهلا قلتم في المتشابه بمثله ؟
ونقول لكم : إن الحكيم إذا كان غرضه البيان فغير جائز أن ينزل عن أعلى مراتب البيان إلى أدونها ، فكيف يصح أن ينزل عما يبين إلى ما لا يبين أصلا !
فنقول لكم : إذا لم يجز في الحكيم أن يكون ملبسا ، فكيف يجوز أن يخاطب بالمشتبه ، الّذي ليس بأن يدل على الحق أولى من أن يدل على الباطل ؛ فنقول لكم : إذا لم يجز عليه التعمية فضلا عن الكذب ، فكيف يصح أن يخاطب بما ظاهره خلاف التوحيد والعدل ، والحق ، في سائر المذاهب ! !
ونقول لكم : كيف يصح أن يخاطب بما المعلوم أن أهل الباطل يستدلون به على باطلهم ! وهل هذا إلا من باب المفسدة !
ونقول لكم : إذا وجب فيه تعالى أن يجنب رسوله الأحوال المنفرة ، فواجب أن يجنب كتابه الأمور المنفرة ؛ وأقل ما في المتشابه ، أنه ينفر عن الحق ، ويكون الناظر فيه عنده إلى التمسك بالباطل أقرب .
ونقول لكم : قد علمنا ذلك بالوجود والمشاهدة ، لأنا نجد « المجبرة » فيه و « المشبهة » لا تعتمد في الأغلب إلا على الآيات المتشابهة ، في مذاهبها ، وتجعله من أوكد أسباب ثباتها على ذلك .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 371
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٧١